مراجعة نقدية لمسيرة تيار مستقبل كردستان سوريا: أزمة مفتوحة وحلول غائبة ؟

اكرم حسين

ليس بخاف على احد أن تيار مستقبل كردستان سوريا قد نشأ في لحظة تاريخية استثنائية ، ساعياً لتقديم نموذج مختلف يقوم على ركيزتين أساسين:

الاولى : ربط القضية الكردية بالسياق الوطني السوري حيث آمن بأن تحقيق الحقوق الكردية لا يتم إلا ضمن أفق بناء دولة ديمقراطية لكل السوريين، وقد تجسدت هذه الرؤية مبكراً عبر انخراط التيار في الثورة السورية منذ بداياتها، بعيداً عن الطابع الانعزالي لبقية القوى.

الثانية :  الطابع المعرفي-السياسي للتيار حيث  سعى لأن يبتعد أكثر من أن يكون  مجرد حزب تقليدي، معتمداً على خطاب جريء ورؤية واضحة ، واستقلالية للقرار الكردي السوري ، وتماسك أخلاقي لمشروعه الثقافي والسياسي.

فقد عاشت المنطقة الكردية في  سوريا منذ سنوات طويلة تحت وطأة العديد من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وبالرغم من المحطات التاريخية الهامة التي مرّ بها تيار “مستقبل كردستان سوريا” في الساحة السياسية، إلا أن الواقع الحالي يفرض علينا أن نكون أكثر شجاعة وواقعية في تشخيص الأزمة التي يعاني منها ، ونضع ايدينا على الجرح الحقيقي الذي يعوق تقدمه ويجعله في حالة تراجع مستمر ، ولعلّ أولى الخطوات التي يجب أن نتخذها في هذا السياق هي إجراء مراجعة نقدية شاملة لمجمل مسيرة التيار بكل شفافية ، بعيداً عن التنظير المبالغ فيه أو محاولة إخفاء الحقيقة وراء شعارات زائفة أو مضللة وغيرقابلة للتنفيذ.

٠منذ تأسيسه، ساد تفاؤل كبير بأن يشكل التيار نقطة تحول في الحياة السياسية الكردية في سوريا، خاصة بعد اندلاع الثورة ، ومع مرور الوقت، اتضح أنه يواجه صعوبات جمة في جوانب عدة، لم تقتصر على العمل السياسي والقيادي فحسب، بل اصطدمت بالواقع ، وامتدت إلى الأسس الاستراتيجية والفكرية والتنظيمية.

من أكثر التبريرات شيوعاً للتراجع الحاصل هو مقارنة الوضع الحالي بأحزاب أخرى داخل سوريا أو حتى في المنطقة بشكل عام، حيث يقال في بعض الأحيان: “كل الأحزاب تمر بأزمة”، وكأن في هذه العبارة يكمن الحل السحري الذي يبرر العجز عن مواجهة التحديات. ولكن الحقيقة الأكثر بؤساً ومرارة هي أننا نعيش أزمة حقيقية لا يمكن تغطيتها بهذا النوع من الشعارات.

واحدة من أبرز تمظهرات الأزمة التي يعاني منها تيار “مستقبل كردستان سوريا” هي غياب الكادر القيادي الذي يمتلك الخبرة التنظيمية والتجربة السياسية نتيجة الانقسامات ، ومغادرة العديد منها الصفوف لأسباب مختلفة ، وقد يتشارك في هذا مع بقية الأحزاب والقوى الكردية الأخرى . فالنضال السياسي لا يعتمد على وجود رؤية استراتيجية أو شعارات رنانة فقط ، بل على قدرات قيادية  قادرة على قراءة الواقع السياسي والتحليل المستقبلي وتوجيه الجهود باتجاه الأهداف المحددة. المشكلة هنا تكمن في الافتقاد إلى الكفاءة اللازمة للتفاعل مع المستجدات السياسية ، وبناء سردية وطنية مع الشارع الكردي ، وهو ما انعكس في تراجع قدرة التيار على التأثير في مجريات الأحداث. فعلى سبيل المثال، العديد من الأحداث والقرارات السياسية  التي اتخذت في السنوات الأخيرة، افتقرت إلى التخطيط المدروس والتوقعات الصحيحة لنتائجها.

هذه الازمة القيادية جعلت التيار أكثر عرضة للتهديدات والتحديات . فالقيادة السياسية التي تفتقر إلى الاستبصار والتخطيط بعيد المدى تظل دائما عرضة للتطورات المفاجئة التي يمكن أن تقلب الموازين في اي وقت .

٠يساهم غياب الخبرة التنظيمية في ضعف الترابط والفعالية بشكل كبير و تعميق الأزمة . فالتنظيم السياسي لا يعني فقط جمع الأفراد تحت عنوان واحد ، بل يتطلب هيكلاً داخلياً قادراً على العمل والتنسيق بين الأعضاء ، وعلى الرغم من وجود بعض حالات التوسع ومحاولات الهيكلة، إلا أن الواقع يثبت أن التيار يعاني من عدم الانضباط التنظيمي المرن ، والتفاوت في مستويات الالتزام بالخط السياسي واللائحة الداخلية .

من الملاحظ أن بعض الأعضاء يعانون من حالة من التشتت الفكري والقصور المعرفي ، وعدم رؤية الوقائع العنيدة ، وهذا نابع من قلة الخبرة والتجربة لدى بعض من يتبوؤون القيادة في ظل ضعف الكفاءات البديلة . حيث تسود في كثير من الأحيان، التباينات والانقسامات   نتيجة الجغرافيا واسبقية المواقف وعلى حساب وحدة الموقف أو اتخاذ قرارات استراتيجية. هذا يؤدي إلى ضعف القدرة على التحرك في الداخل بفعالية أكبر في ظل المنافسة الشديدة بين القوى السياسية الأخرى في المنطقة.

٠من ابرز التحديات التي يواجهها تيار “مستقبل كردستان سوريا” وجود  قيادة التيار في الخارج . فمع تعفن واستنقاع الوضع السوري ، اضطرت بعض  قيادات التيار للخروج من  كردستان سوريا بسبب التهديدات الأمنية ، أو محاولة البعض منها العيش في بلاد  يسودها الأمن والاستقرار . الأمر الذي خلق إشكالية ” البعد ” وعدم التقييم الواقعي لما يجري من تفاصيل داخل سوريا، مما جعلها أحياناً تقدم حلولاً وتقترح افكاراً لا تعكس الواقع أو تنبع من معايشة حقيقية للتحديات اليومية التي يعيشها المواطن الكردي. لان لكل نمط من المعيشة نمط  من التفكير على حد قول ماركس

فالقيادة عن بعد  تؤدي إلى الانفصال عن الجماهير وتقلل الثقة وتضعف المصداقية والموقف السياسي معاً .في وقت أحوج ما يكون فيه إلى العمل والتواجد الميداني على الارض

٠وغالباً ما يكون دعم القوى الإقليمية والدولية بناء التحالفات المحلية ، عاملاً حاسماً في تعزيز قدرات الحركات السياسية في المناطق المضطربة. لكن في حالة تيار “مستقبل كردستان سوريا”، يعاني من غياب هذا الدعم، سواء كان سياسياً أو لوجستياً. رغم بعض الجهود المبذولة ، إلا أن التيار يفتقد الى العلاقة مع القوى المؤثرة  في الملف السوري .

وفي الوقت الذي تفتقد فيه الحركات السياسية الكردية في سوريا بشكل عام إلى شبكة من التحالفات الإقليمية التي يمكن أن تدعمها في مواجهة الأزمات المتتالية. يتعزز شعور العزلة ، ويجعل التيار في كثير من الأحيان غير قادر على التأثير في صنع القرارات المحلية  التي تؤثر بشكل مباشر على مستقبل الشعب الكردي السوري .

٠في ذات السياق  تشكل الموارد المادية عاملاً حاسماً في قدرة أي تنظيم سياسي على العمل والاستمرار والنمو. تيار “مستقبل كردستان سوريا” يعاني بشكل ملحوظ من قلة الموارد المالية التي يمكن أن تساعده في تحقيق أهدافه السياسية والاجتماعية. من دون دعم مادي كاف، يصبح من المستحيل على التيار القيام بحملات توعية فعالة، تنظيم فعاليات سياسية، أو حتى الاستمرار في تقديم الخدمات الضرورية للمجتمع الكردي. لا يقتصر الأمر على ذلك ، بل يشمل أيضاً النقص في الكوادر المهنية القادرة على إدارة الحملات الإعلامية أو تقديم الاستشارات السياسية والاقتصادية.

في ضوء كل هذه التحديات، يجب أن يسعى التيار للبحث عن حلول عملية ومجدية . الحلول تتطلب أولاً وقبل كل شيء الاعتراف بالواقع المرير كما هو، لا كما يريده أن يكون. هناك العديد من الخطوات التي يمكن أن تساهم في تحريك المياه  وإعادة تفعيل  تيار “مستقبل كردستان سوريا” بشكل يتناسب مع المرحلة الحالية:

-تعزيز الصفوف القيادية، بحيث تكون هذه القيادات قادرة على قراءة المستقبل وتحليل الواقع السياسي والاجتماعي بكفاءة.

  • الالتزام والانضباط، وتنمية الوعي التنظيمي بين الأعضاء .
  • عودة قيادات التيار الاساسية  إلى الداخل لبناء الثقة ومواجهة التحديات اليومية التي يواجهها والعمل بين الجماهير  .
  • بناء علاقات استراتيجية مع القوى المؤثرة في المنطقة لتوفير الدعم السياسي والمالي.
  • تعزيز قدرات التيار في المجال الإعلامي والسياسي، والبحث عن طرق مبتكرة للحصول على التمويل بعيداً عن الارتهان
  • تحقيق وحدات اندماجية وتشكيل حزب سياسي كردي قوي على الصعيد الوطني السوري يحظى بثقة ودعم أبناء الشعب الكردي .
  • الحفاظ على استقلالية قراره السياسي تجاه المواقف والأحداث .

يعيش تيار مستقبل كردستان سوريا  مرحلة مصيرية وحاسمة، حيث تتشابك الأزمات وتتراكم التحديات ، ولا يمكن أن يتحمل مسؤولية التاريخ ويواجه فجاءاته إذا استمرفي إخفاء الحقيقة أو تبرير ضعفه والتنكر لأخطائه . الحلول تكمن في المراجعة النقدية الصادقة والشفافة  لمسيرة التيار بشكل دائم ومستمر ، وتحديد الاولويات بوضوح، والبدء في بناء جسر من الثقة بين التيار والجماهير -وهنا يكمن الاختبار –  إذا كان حقاً يريد أن يواجه الواقع بشجاعة، ويضع الخطط العملية التي تحاكي حاجاته وتطلعاته.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

محمود أوسو الجهل نوعان: جهل بالمعلومة، وجهل بالإرادة. عند الكرد، الكارثة ليست الأولى. الكارثة أن آلاف الناس يعرفون الخطأ ويتبعونه، لأن القائد قال. هنا تبدأ العبودية. 1. القيادة كصنم لا يُسأل منذ القدم إلى اليوم، تشكّل وعي سياسي كردي قائم على “الشيخ-الحزب-العشيرة”. القائد ليس موظفاً عند الشعب، بل أبٌ لا يُناقش. من يعترض يُتهم بالخيانة، من يسأل يُتهم بالانشقاق. النتيجة:…

إبراهيم كابان في عالم السياسة، كثيرا ما تستخدم التصريحات الحادة لتحقيق مكاسب إعلامية أو انتخابية أو لإعادة تشكيل صورة الخصوم والحلفاء أمام الرأي العام. لكن ثمة فارق جوهري بين توجيه الانتقاد إلى جهة سياسية محددة، وبين تحويل شعب كامل إلى هدف للاتهام والتشويه. هذا الفارق هو ما يغيب أحيانا عن بعض الخطابات السياسية التي تتجاوز حدود النقد لتدخل…

عدنان بدرالدين رسالة ناظم حكمت: الاعتراف بالوجود الكردي في عام 1961 كتب الشاعر التركي الكبير ناظم حكمت رسالة إلى الأميركاميران بدرخان اعترف فيها بوضوح بوجود الأمة الكردية، وانتقد الدولة التركية بسبب إنكارها حقوقها القومية. لم يكن هذا الاعتراف تفصيلاً عابراً في خطاب مثقف يساري، بل كان تعبيراً عن رؤية سياسية ترى أن أي تضامن حقيقي بين الشعبين التركي والكردي لا…

شادي حاجي في ظل التحولات السياسية التي تعيشها سوريا، تتزايد النقاشات حول شكل المرحلة الانتقالية وآليات تمثيل المكونات القومية والدينية والطائفية، وفي مقدمتها الشعب الكردي داخل أي مجلس تشريعي أو «مجلس شعب مؤقت». وبينما تبدو مشاركة القوى والأحزاب الكردية في هذه المؤسسات خطوة ضرورية لضمان الحضور السياسي الكردي في مستقبل البلاد، فإن ثمة إشكالية جوهرية تفرض نفسها بقوة: هل يمكن…