عدنان بدرالدين
رسالة ناظم حكمت: الاعتراف بالوجود الكردي
في عام 1961 كتب الشاعر التركي الكبير ناظم حكمت رسالة إلى الأميركاميران بدرخان اعترف فيها بوضوح بوجود الأمة الكردية، وانتقد الدولة التركية بسبب إنكارها حقوقها القومية. لم يكن هذا الاعتراف تفصيلاً عابراً في خطاب مثقف يساري، بل كان تعبيراً عن رؤية سياسية ترى أن أي تضامن حقيقي بين الشعبين التركي والكردي لا يمكن أن يقوم إلا على أساس الاعتراف المتبادل بالوجود والحقوق.
رسالة ديميرتاش: المفارقة اللافتة
بعد أكثر من ستة عقود، وفي 17 حزيران/يونيو 2025، نشر السياسي الكردي صلاح الدين ديميرتاش رسالة بعنوان: «ليس زمن الحماسة، بل زمن الشجاعة». قراءة هذه الرسالة تكشف مفارقة لافتة: فبينما كان المثقف التركي في ستينيات القرن الماضي يعترف صراحة بالأمة الكردية وحقوقها، يبدو أن الخطاب السياسي لبعض القيادات الكردية المعاصرة يتجنب هذا الاعتراف نفسه، ويتحدث بدلاً من ذلك بلغة الإدماج داخل إطار الدولة القومية التركية.
هذه المفارقة ليست مجرد اختلاف في الأسلوب أو اللغة، بل تعكس تحولاً أعمق في طبيعة الخطاب السياسي حول القضية الكردية.
موقف ناظم حكمت: الاعتراف أساس الوحدة
في الرسالة التي وجهها ناظم حكمت إلى كاميران بدرخان يظهر بوضوح أن الاعتراف هو أساس أي وحدة سياسية ممكنة. فقد كتب أن الحكام الأتراك أنكروا الحقوق القومية والإنسانية للشعب الكردي، بل وصلوا إلى حد إنكار وجوده كأمة.
بالنسبة له، لم يكن من الممكن الحديث عن وحدة حقيقية بين الشعبين إذا كان أحدهما يُنكر وجود الآخر. فالوحدة، في هذا الفهم، لا تعني الذوبان داخل هوية واحدة، بل قيام علاقة سياسية بين شعبين يعترف كل منهما بالآخر.
تحول الخطاب الكردي المعاصر
في المقابل، يبدو أن بعض الخطابات السياسية المعاصرة داخل الحركة الكردية تسير في اتجاه مختلف، وهو ما يمكن وصفه بظهور خطاب جديد. فبدلاً من التأكيد على الحقوق القومية لشعب كردستان الشمالية، يبرز خطاب يركز على مفاهيم مثل «الوطن المشترك» و«المجتمع التركي» وضرورة الاصطفاف الوطني في مواجهة التحديات الخارجية.
وفي رسالة ديميرتاش، على سبيل المثال، تظهر الدعوة إلى الاتحاد تحت اسم «تركيا»، وهو ما يعني عملياً وضع الهوية الوطنية التركية إطاراً جامعاً يفترض أن يحتوي الجميع. هذا التحول اللغوي يعكس بدوره تحولاً سياسياً أوسع بدأ يتبلور منذ سنوات داخل التيار المرتبط بحزب العمال الكردستاني المنحل.
رهان الدمقرطة: بين النظرية والواقع
وفي إطار هذا التحول جرى طرح تصور سياسي جديد يقوم على ما يمكن تسميته «رهان دمقرطة الدولة التركية». فوفق هذا التصور لا يكمن الحل في مشروع قومي مستقل، بل في تحويل الدولة التركية نفسها إلى دولة ديمقراطية متعددة الهويات تستطيع احتواء مختلف مكونات المجتمع.
نظرياً يبدو هذا الطرح جذاباً، لأنه يعد بتجاوز الصراع القومي التقليدي نحو صيغة ديمقراطية أوسع لحل المسألة القومية. غير أن المشكلة لا تكمن في الفكرة المجردة بقدر ما تكمن في السؤال الواقعي: من سيبني هذه الديمقراطية؟
حتى الآن لا توجد مؤشرات على أن النظام السياسي التركي يسير في اتجاه دمقرطة حقيقية. بل على العكس، شهدت البلاد خلال السنوات الأخيرة تركيزاً متزايداً للسلطة وتراجعاً في استقلال المؤسسات الديمقراطية. والأكثر إثارة للتساؤل أن هذا الرهان يُطرح في ظل تحالف سياسي يقوده رجب طيب أردوغان وحزب الحركة القومية بزعامة دولت بهتشلي، وهو حزب قام تاريخيًا على الدفاع الصارم عن الدولة القومية التركية وإنكار الهوية الكردية.
من المقاومة إلى التثبيت؟
من هنا تظهر مفارقة أخرى: فالحركة التي نشأت في الأصل لمواجهة إنكار الدولة التركية للهوية الكردية تبدو اليوم، في نظر كثير من المتابعين، وكأنها تسهم في تثبيت النظام السياسي نفسه من خلال تقديم تنازلات كبيرة مقابل وعود إصلاحية غامضة.
هذه الظاهرة ليست فريدة في التاريخ السياسي؛ فقد شهدت تجارب عديدة تحولات مشابهة عندما انتقلت بعض حركات التحرر من موقع المواجهة إلى موقع الاندماج داخل النظام القائم. غير أن هذه التحولات تصبح أكثر إشكالية عندما تمس جوهر القضية التي نشأت الحركة للدفاع عنها.
سؤال الشرعية التمثيلية
مع ذلك، فإن القضية المطروحة هنا لا يمكن اختزالها في تقييم لمسار سياسي بعينه. فالمسألة أعمق من ذلك، لأنها ترتبط في جوهرها بسؤال الشرعية السياسية.
القضية الكردية في كردستان الشمالية ليست قضية حزب أو تنظيم، بل قضية شعب كامل يزيد عدده على عشرين مليون إنسان. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: من يملك حق التحدث باسم هذا الشعب؟
هذا السؤال يقود مباشرة إلى مسألة الشرعية التمثيلية. فمن حق عبد الله أوجلان أو صلاح الدين ديميرتاش، كما من حق حزبهم الحالي حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM) پارتي، أن يتخذوا أي قرار سياسي يرونه مناسبًا لمستقبل تنظيمهم. يمكنهم التفاوض مع الدولة التركية حول وضع قادتهم ومقاتليهم، أو حل حزبهم، أو الدخول في تحالفات سياسية، أو التخلي عن السلاح الذي خاضوا به صراعهم الطويل مع الدولة التركية، بل حتى إحراقه رمزيًا كما حدث بالفعل في بعض المناسبات.
لكن ما لا يملكه أي حزب أو قائد سياسي هو الادعاء بالحديث باسم شعب كردستان الشمالية بأكمله أو تقرير مصيره السياسي. فالشعب الكردي في كردستان الشمالية لم ينتخب عبد الله أوجلان ممثلاً له، ولم يفوض حزب DEM پارتي للتفاوض باسمه حول حقوقه القومية أو مستقبله السياسي.
التأثير السياسي أو التاريخ النضالي لا يساويان التفويض الديمقراطي، والشرعية التمثيلية لا تُكتسب بالرمزية أو بالتاريخ، بل بالتفويض الواضح من المجتمع الذي يُفترض تمثيله.
ولهذا السبب، فإن أي مفاوضات قد تجري بين هذه القوى والدولة التركية يمكن أن تكون مفاوضات حول مستقبل الحركة نفسها أو أوضاع أعضائها، لكنها لا يمكن أن تُقدَّم بوصفها مفاوضات باسم شعب كردستان الشمالية كله أو باسم قضيته التاريخية.
فالتفاوض باسم شعب كامل حول حقوقه التاريخية دون تفويض واضح لا يختلف كثيراً عن المقامرة بشيء لا يملكه المرء.
13 أيار/مايو 2026