عبدالجبار شاهين
يا للعجب، إنهم أول من دعا إلى وحدة الصف الكردي، لكنهم حين وقفوا على أعتاب هذه الوحدة تحولوا إلى حجرة عثرة كبيرة في سبيلها، لماذا؟ لأنهم بكل وقاحة يطالبون بالوحدة تحت إمرتهم فقط، أي إذابة كل الكرد في بوتقة ضيقة يرأسونها هم، وكأن الوحدة لا تكتمل إلا عندما يصبح الجميع ظلاً لهم وامتداداً لسلطتهم.
إنهم ذاتهم الذين نادوا وينادون بأعلى الصوت بعقد مؤتمر وطني جامع يلم شتات الكلمة ويوحد الرؤى، لكنهم كانوا ولازالوا العائق الأكبر في طريق كل مؤتمر حقيقي، لأنهم ببساطة لا يقبلون بأي مؤتمر إلا وهم من يقودونه فعلياً، فلا مكان لأحد غيرهم على منصة القرار مهما كانت كفاءته أو صدق وطنيته، وكأن القيادة أصبحت غاية في حد ذاتها وليست وسيلة لخدمة القضية الكردية العادلة.
تعالوا نتأمل كيف دعوا ويدعون إلى تأسيس مرجعية وطنية جامعة تكون ملاذاً لكل الكرد في الداخل والشتات، وإذا بهم يتحولون إلى أكبر عائق أمام ولادة أي مرجعية لا تمر عبرهم، لأنهم يسعون إلى أن تكون ذواتهم هي المرجعية الوحيدة، وأن يبقى كل شيء وفق مفهومهم الضيق الذي يرى الآخرين إما تابعين أو خونة، وكأن الوطنية استئثر بها الله عليهم ولم يشرك فيها أحداً غيرهم.
والأمر الأكثر إيلاماً حين نتحدث عن حرية المرأة الكردية التي رفعوا شعارها في كل مناسبة، بينما هم أكثر من شوهوا الدور التاريخي العظيم للمرأة الكردية التي كانت حرة كريمة قبل أن يظهر هؤلاء إلى الوجود، المرأة الكردية الجبلية التي كانت تقاتل جنباً إلى جنب مع الرجل في الميدان وتدير شؤون الحياة في السلم والحرب دون أن تستعبد أحداً، جاء هؤلاء ليجعلوها أيقونة خطابية فقط ووسيلة دعائية، أي أنهم هم من استعبدوا المرأة فعلياً ثم لفّوا استعبادهم تحت يافطة تحرير المرأة ومفاهيم براقة لا تمت للواقع بصلة.
وحين نتأمل شعاراتهم الديمقراطية التي لا تفارق أدبياتهم ولا تخرج من خطاباتهم، نجدهم في الممارسة أشد أنواع الديكتاتورية، إنهم يمارسون قمعاً منظماً لكل من اختلف معهم بالرؤية، لا يسمعون صوتاً ولا يقبلون نقداً ولا يحتملون رأياً مخالفاً، وكأن الديمقراطية عندهم تعني أن يحكموا هم ويلتزم الآخرون بالصمت والطاعة العمياء.
والمأساة الكبرى أنهم حملوا في بداياتهم مشروعاً لتحرير وتوحيد كردستان وكانوا أمنية كل كردي مقهور، لكنهم سرعان ما تحولوا إلى أكثر من عمل ضد هذا التحرير والوحدة، كيف لا وهم يدسون المفاهيم المسمومة يوماً بعد يوم بهدف طمس القضية الكردية والقضاء عليها من جذورها، مفاهيم ضبابية كالأمة الديمقراطية التي تذيب الهوية الكردية في بحر لا ساحل له، وإخوة الشعوب التي توحي بأن لا خصوصية للكرد ولا قضية مستقلة لهم، والكونفدرالية الشرق أوسطية التي توزع الكرد على أربعة أو خمسة كيانات هلامية، ونبذ مفهوم الدولة القومية كلية واعتبارها عائقاً أمام التطور والتحرر.
وكأن كل أمم الأرض التي ناضلت قروناً طويلة وشكلت دولها القومية تعيش في حالة تخلف وجهل، وكأن الدولة القومية الكردية ستكون نقيصة في عصر الدول القومية الكبرى المتحكمة بمقدرات العالم، إنهم يريدون أن يحافظوا على تطور الكرد كما يزعمون عبر إنهاء مشروع الدولة القومية الخاصة بالكرد ذاتها، وهذا هو أكبر تناقض وأفدح خيانة، لأن قضية الكرد لم تكن يوماً إلا قضية شعب يبحث عن دولته القومية المستقلة التي تعيد له اعتباره وقيمته بين الأمم.
ولم يكتف هؤلاء بكل ما سبق، بل تجاوزوه إلى أشنع وأفظع حين ادعوا أيضاً أنهم حماة الشرف والعرض في مناطقهم، ورفعوا هذه الشعارات كأنها تاج على رؤوسهم ودرع يحميهم من أي نقد، لكنهم للأسف كانوا أول من انتهك الشرف والعرض بطريقة لم يسبقهم إليها أحد في تاريخ الكرد المعاصر، لأن كل من تابع ما جرى في تلك المناطق التي سيطروا عليها يعلم يقيناً كيف انتشرت فيها كل أنواع الموبقات والرذيلة التي كانت يوماً محظورة ومحتقرة في المجتمع الكردي الأصيل، حيث صارت الأمور الفاحشة تُمارس شبه علنية وتُقدم على أنها حريات شخصية لا يحق لأحد الاعتراض عليها، وكأن كل القيم التي تربى عليها الكرد عبر مئات السنين أصبحت مجرد تفاهة لا تستحق الذكر ولا تستحق الدفاع عنها في نظرهم.
إن مسألة الشرف والعرض كانت ولاتزال أهم وأقدس مسألة في المجتمع الكردي، فهي التي تميزه وتحفظ تماسكه وكرامته، وهي التي جعلت المرأة الكردية تعيش مرفوعة الرأس لا تُمس بسوء، والرجل الكردي يعيش حامياً لعاداته وتقاليده وعرضه وجاره، لكن هؤلاء جاؤوا ليقلبوا المعادلة رأساً على عقب، فبدلاً من أن يعززوا هذه القيم ويحافظوا عليها كما وعدوا وأقسموا، جعلوا منها هدفاً للنكاية والتدمير تدريجياً، حتى أصبح الحديث عن الشرف والعرض في مناطقهم أشبه بالنكتة الثقيلة عندهم، بينما هو في حقيقته شريان الحياة لكل كردي شريف يدرك أن من لا عرض له لا كرامة له، ومن لا كرامة له لا وطن له.
بل إن الطامة الكبرى أنهم حاربوا المفاهيم القبلية والعشائرية بكل شراسة واعتبروا كل قيم المجتمع الكردي وتقاليده العريقة مجرد تخلف ورجعية، وزعموا أن القبيلة لا تستطيع أن تؤسس دولاً قومية وأنها عائق أمام التقدم، وهذا من أبشع ما قالوه وأكثر السخافات التي روجوها، لأننا نعلم جميعاً وبكل يقين أن اللبنة الأساسية في تشكيل أي دولة قومية في التاريخ هي القبيلة أو العشيرة، فكل دول العالم الكبرى قامت على قبائل وشعوب وعشائر تحالفت وتوحدت، لكن هؤلاء حاربوا ذلك على الصعيد الكردي فقط وحاربوا القبيلة الكردية وكل رموزها التاريخية حتى أصبح أبناء القبيلة الواحدة يخجلون من انتمائهم بينما هو فخر واعتزاز، وفي المقابل فعلوا العكس تماماً مع المجتمعات الأخرى غير الكردية، حيث رفعوا لهم شأناً وأعظموا قبائلهم وعشائرهم وداسوا بكل أسف على كل الرموز القبلية العريقة في المجتمع الكردي التي كانت عنواناً للشرف والنجدة والأخوة والجيرة.
وما زاد الطين بلة أنهم حاربوا كل الرموز التاريخية الكردية بلا استثناء، ولم يكتفوا بذلك بل تعدوه إلى أن فخخوا الأماكن الأثرية التاريخية التي تدل على القيم القومية والشرف والأخلاق والعادات والتقاليد القبلية الأصيلة، لقد زرعوا الألغام في المنازل الأثرية القديمة والمواقع التاريخية الأثرية التي تروي تاريخ الأجداد وتخلد ذكراهم، وذلك بهدف واحد هو طمس كل صلة للكرد بتاريخهم المجيد، ليمحووا من ذاكرة الأجيال القادمة كل معالم العزة والكرامة والانتماء، وكأنهم يريدون أن يولد الكرد من جديد بلا تاريخ بلا ماض بلا هوية بلا قبيلة بلا عشيرة بلا أي شيء يربطهم بهويتهم الأصلية ورموزهم التاريخية .
وإن دل كل هذا الذي ذكرناه على شيء فإنما يدل دلالة قاطعة لا تحتمل الشك أن صراعهم مع المجتمع الكردي لم يكن يوماً صراع فكر مع فكر أو رؤية مع رؤية، بل هو صراع بين عديم الأصل والأصل وبين عديم الأصالة والأصالة ذاتها، إنهم يريدون أن يجعلوا الكرد شعباً بلا ماضٍ كي يسهل عليهم صنع مستقبله وفق أهوائهم، لكنهم نسوا أن التاريخ الكردي العريق أكبر منهم ومن مخططاتهم، وأن القبيلة الكردية التي حاربوها ستبقى نبعاً للعزة والكرامة، وأن المنازل الأثرية التي فخخوها ستبقى شامخة في قلوب الكرد مهما حاولوا هدمها أو تفجيرها، لأن الكردي الأصيل يعرف أصله ويفتخر به ويعلم أن من يتبرأ من قبيلته وتاريخه وقيمه إنما يتبرأ من نفسه ومن جذوره التي لن تقطعها كل مؤامراتهم وألاعيبهم.
لقد خذل هؤلاء الشرف والعرض الكردي قبل أن يخذلوا كل شيء آخر، وفضحوا أنفسهم بأيديهم وجعلوا من أنفسهم عبرة لكل من يظن أن الشعارات وحدها تصنع الرجال وأن الألقاب وحدها تكفي لحماية القضايا العادلة، ولن ينسى التاريخ الكردي لمن يتعامل مع قدسية الشرف والعرض والقبيلة والأصالة على أنها مجرد تفاهة عابرة، ولن يغفر المجتمع الكردي أبداً لمن جعل من أعراض الناس لعبة بيده ومن قبائلهم هدفاً لهدمه ومن آثارهم مكاناً لزرع الألغام، ثم جاء يغطي كل ذلك بيافطة حماية الشرف والعرض والتحرير والوحدة، تلك اليافطات التي تدنسها أفعالهم حتى صارت تحت اقدامهم لا على رؤوسهم.
فهل يدرك هؤلاء أنهم يمارسون أقسى أنواع الاستعمار الداخلي باسم التحرير، وأنهم يحولون أحلامنا الجميلة إلى كوابيس بغيضة تحت يافطة الوحدة والحرية والديمقراطية وحماية العرض والأصالة، أم أنهم غرقوا في أوهام السلطة لدرجة أنهم نسوا أن الكرد غيرهم لهم عقولهم وإرادتهم وكرامتهم التي لا تقبل أن تكون مجرد تذكرة في كتيبة يقودها من لا يستحق القيادة، وإن القضية الكردية أكبر من كل الأشخاص وأعظم من كل التناقضات، وستبقى حية تتطلع إلى قيادة واعية تعيد الاعتبار لحلم الأجداد في دولة كردية قومية لا تذوب في أوهام ولا تختفي خلف شعارات، دولة تعرف من أين تبدأ وأين تنتهي، دولة تعتز بقبائلها وتاريخها وعاداتها وقيمها ولا تنبذ نفسها باسم الكونفدراليات ولا تفرط بعرض شعبها وشرفه باسم الحريات المزعومة، دولة يكون فيها الأثر التاريخي مقدساً لا يفخخ، والقبيلة مكرمة لا تحارب، والأصالة عنواناً لا تُداس عليه.