الكتابة بالكردية لا تنتقص من مكانة العربية

مسلم شيخ حسن – كوباني 

 

عندما تحرم الشعوب من أبسط حقوقها الإنسانية لعقود طويلة فإن آثار الاستبداد لاتتوقف عند حدود السياسة فحسب بل تمتد الى الثقافة والهوية واللغة والكرامة الإنسانية. هذا ما عانته سوريا لأكثر من خمسة عقود في ظل نظام البعث وآل الأسد، اللذين حكما البلاد بعقلية أمنية منغلقة وبنيا حكمهما على القمع والإقصاء والخوف. دفع جميع السوريين ثمن هذه السياسات ولا سيما الشعب الكردي الذي عانى من التهميش والحرمان ومحاولات طمس هويته وثقافته ولغته.

لقد شكلت السياسات العنصرية والشوفينية التي نفذت ضد الشعب الكردي واحدة من أكثر الفصول إيلاماً في تاريخ سوريا الحديث. حيث منع الكرد من ممارسة حقوقهم الثقافية الطبيعية وقمعت لغتهم في المدارس والمؤسسات والأماكن العامة لفرض هوية واحدة على بلد متعدد القوميات والثقافات. مع ذلك، أثبتت التجربة التاريخية أن إقصاء الآخرين لا يصنع وطناً مستقراً وأن التنوع ليس تهديداً للدول بل هو مصدر قوة وثراء إذا ما أدير بالعدل والتعاون.

واليوم، مع دخول سوريا مرحلة جديدة تقع على عاتق الحكومة الانتقالية مسؤولية تاريخية لتجنب تكرار أخطاء الماضي والعمل بجد على بناء دولة تقوم على المواطنة الحقيقية بعيداً عن عقلية الإقصاء والقمع والطائفية التي دمرت البلاد وأغرقتها في الصراع والانقسام. فمرحلة ما بعد الحرب تحتاج الى خطاب وطني شامل يؤمن بأن جميع السوريين شركاء في الوطن وأن حقوقهم لا تتعارض مع وحدة الدولة بل تعززها.

من هذا المنطلق، فإن استخدام اللغة الكردية في المجال العام ووجودها إلى جانب اللغة العربية في المؤسسات الرسمية واللافتات داخل المناطق الكردية، لا يضعف مكانة اللغة العربية أو يقلل منها بل يظهر احترام الدولة لتنوعها الثقافي والقومي. فاللغات ليست أدوات صراع بل جسور تواصل وتفاهم بين الشعوب. إن الاعتراف بالتنوع اللغوي والثقافي خطوة حضارية تدل على نضج الدولة وثقتها بنفسها.

علاوة على ذلك، فإن قبول اللغتين يعزز ثقافة التعاون والانفتاح ويعيد بناء الثقة بين مختلف المكونات السورية التي مزقتها سنوات طويلة من السياسات البعثية القائمة على الإنكار والتفرقة . تقاس الدول المتقدمة باحترامها لتنوعها الداخلي لا بقدرتها على فرض أيديولوجية أو هوية واحدة على الجميع.

لقد دفعت سوريا ثمناً باهظاً من الدماء والدمار في سبيل الحرية والكرامة والعدالة. وبعد كل ما حدث، بات من الواضح أنه لا يمكن لأي طرف إقصاء الآخر أو احتكار الوطن. إن مستقبل سوريا لا يبنى إلا من خلال الحوار والتعاون والعمل المشترك بين جميع أبنائها ،لإنهاء إرث القمع والفساد والتخلف وفتح صفحة جديدة تقوم على الاحترام المتبادل والمساواة في الحقوق والواجبات .

فسوريا، بتاريخها وحضارتها وتنوعها، كانت وستظل جميلة بكل ألوانها وأطيافها ولن تكون بخير حتى يشعر جميع مواطنيها بأنهم متساوون في الوطن وشركاء في مستقبلها، وأن كرامتهم وهويتهم الإنسانية والثقافية مصونة.

 

7 / 5 / 2026

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالجبار شاهين يا للعجب، إنهم أول من دعا إلى وحدة الصف الكردي، لكنهم حين وقفوا على أعتاب هذه الوحدة تحولوا إلى حجرة عثرة كبيرة في سبيلها، لماذا؟ لأنهم بكل وقاحة يطالبون بالوحدة تحت إمرتهم فقط، أي إذابة كل الكرد في بوتقة ضيقة يرأسونها هم، وكأن الوحدة لا تكتمل إلا عندما يصبح الجميع ظلاً لهم وامتداداً لسلطتهم. إنهم ذاتهم الذين نادوا…

صديق ملا تعد اللغة هوية الشعوب ووعاء لذاكرتها التاريخية والثقافية ، إذ تسهم في الحفاظ على ملامحها الفكرية ومنع ذوبانها ، وتشكل ركيزة ً أساسية لبقاء الهوية واستمرارها. فبقاء اللغة الكردية حيّة إلى يومنا هذا رغم كل الظروف والمراحل التاريخية الصعبة والمعقدة والمحن والأهوال التي عانى منها الشعب الكردي يرجع لعدة أسباب أهمها : التماسك الأسري والمجتمعي فالبيت الكردي يعتبر…

عمر إبراهيم لم يعد بناء لوبي كوردستاني خيارًا مؤجلًا، بل أصبح حاجة واقعية في ظل عالم تُصنع فيه القرارات عبر التأثير المنظم، لا عبر الشعارات. رغم ما يمتلكه الكورد من طاقات بشرية، وخبرات علمية، وحضور متزايد في أوروبا ، إلا أن هذا الحضور ما زال مشتتًا، ويعمل في كثير من الأحيان بشكل فردي أو حزبي، دون تنسيق فعّال. المشكلة…

خالد حسو   في السنوات الأخيرة، ظهرت محاولات متكررة لعقد مقارنات بين الزعيم الرئيس مسعود بارزاني وعبد الله أوجلان، سواء من حيث النضال أو التاريخ أو التأثير السياسي في القضية الكوردية. غير أن هذه المقارنات، في نظر الكثيرين، ليست منصفة ولا تستند إلى قراءة حقيقية وعميقة لمسار الرجلين، لأن الفارق بين مشروع وطني متجذر في وجدان الشعب، وبين مشروع آخر…