كلمة للتاريخ

حسن قاسم

ليست كل الأحداث التي تمر على الشعوب مجرد وقائع عابرة، فبعضها يتحول إلى محطات فاصلة تحدد مصير أمة بأكملها، وتصبح الكتابة عنها واجباً أخلاقياً وقومياً للتوثيق أمام الأجيال القادمة. ومن هنا تأتي أهمية تثبيت الوقائع كما هي، سواء حملت الخير لشعبنا أو كانت سبباً في انتكاسته، لكي يبقى التاريخ شاهداً على من ناضل بإخلاص دفاعاً عن الحقوق القومية، ومن ساهم ـ بقصد أو بغير قصد ـ في إضعافها أو التفريط بها.
وفي هذا السياق، يبرز الحديث اليوم عما يسمى بـ “الاندماج الديمقراطي” لقوات قسد والإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الحكومة الانتقالية السورية، بوصفه واحداً من أخطر التحولات السياسية التي تواجه القضية الكوردية في سوريا منذ عقود.
إن ما يجري لا يمكن النظر إليه باعتباره شراكة وطنية حقيقية قائمة على الاعتراف المتبادل والحقوق الدستورية، بل يبدو ـ وفق الوقائع الميدانية والسياسية ـ مشروعاً مفروضاً لإعادة إنتاج مركزية الدولة السورية القديمة بصيغة جديدة، مع إفراغ التجربة الكوردية من مضمونها السياسي والقومي.
فالاندماج، كما يُطرح اليوم، لا يقوم على أسس العدالة أو التوافق بين طرفين متساويين، وإنما يتم وفق شروط السلطة الحاكمة وحدها، بينما يُطلب من قسد والإدارة الذاتية الامتثال الكامل لهذه الشروط دون ضمانات حقيقية تتعلق بحقوق الشعب الكوردي ومستقبله السياسي. وحتى الآن، يدور الحديث عن “السلاسة” في تنفيذ الاتفاقات، لكن هذه السلاسة تقوم على النوايا العامة والشعارات الفضفاضة، لا على نصوص واضحة تضمن الاعتراف الدستوري بالكورد كشعب أصيل في سوريا، ولا على تحديد شكل النظام السياسي أو اللامركزية أو الحقوق القومية والثقافية والإدارية.
لقد تم تسليم المعابر والثروات النفطية وعدد من المؤسسات الحيوية دون أن يقابل ذلك اتفاق واضح حول طبيعة الشراكة الحقيقية للكورد في الدولة السورية المقبلة. أما ما يُطرح من مناصب وتمثيل، فلا يتجاوز في نظر كثيرين حدود التمثيل الشكلي الذي لا يملك قراراً سيادياً ولا يوفر ضمانة سياسية أو قومية حقيقية، بل يكرس صورة المشاركة الرمزية التي استخدمتها الأنظمة السورية المتعاقبة لعقود طويلة.
والأخطر من ذلك أن الوقائع الميدانية نفسها تكشف هشاشة هذا “الاندماج”. فبينما كان الحديث يدور عن التفاهمات ووقف إطلاق النار، استمرت الضغوط العسكرية والحصار والتحركات العدائية ضد قوات قسد في أكثر من منطقة، بما فيها الانسحابات المؤلمة من دير حافر ومسكنة وغيرها. كما أن ما جرى بحق عدد من الأسرى والمقاتلين شكل رسالة قاسية تؤكد أن العقلية الإقصائية القديمة ما تزال تتحكم في طريقة التعامل مع الكورد وقواتهم.
إن أي عملية اندماج وطنية حقيقية يجب أن تقوم على الثقة المتبادلة والاعتراف بالشراكة السياسية الكاملة، لا على موازين القوة والإملاءات. فحين يُطلب من طرف أن يسلم أوراق قوته كاملة دون الحصول على ضمانات دستورية واضحة، فإن ذلك لا يسمى شراكة بقدر ما يشبه عملية تفكيك تدريجية لمشروع سياسي كامل.
ومن هنا، يرى كثير من أبناء الشعب الكوردي أن ما يجري اليوم ليس بعيداً عن مشروع إقليمي تقوده تركيا، هدفه إنهاء أي تجربة سياسية أو إدارية كوردية يمكن أن تشكل نموذجاً مستقبلياً للكورد في المنطقة. فأنقرة لم تُخفِ يوماً رفضها لأي كيان أو إدارة كوردية تتمتع بخصوصية سياسية، وقد مارست خلال السنوات الماضية مختلف أشكال الضغط العسكري والسياسي والدبلوماسي لمنع تثبيت أي مكسب كوردي في سوريا.
وفي ظل التفاهمات الدولية والإقليمية المعقدة، يبدو أن الملف الكوردي بات جزءاً من صفقات أكبر تتداخل فيها المصالح الأمريكية والتركية والخليجية والسورية، بينما يبقى الشعب الكوردي الطرف الأضعف والأكثر عرضة لدفع الثمن.
إن أخطر ما في هذه المرحلة ليس فقط احتمال خسارة مشروع سياسي أو إدارة قائمة، بل خطر ضرب الحلم الكوردي نفسه في الحرية والكرامة والاعتراف القومي، وتحويل الكورد مرة أخرى إلى مجرد أقلية تابعة داخل دولة مركزية لا تعترف بخصوصيتهم التاريخية والقومية.
ولذلك، فإن كتابة هذه الوقائع اليوم ليست ترفاً سياسياً ولا محاولة لإثارة الانقسام، بل هي واجب تجاه التاريخ. فالأمم التي لا توثق لحظات التحول في مسيرتها، تضيع فيها الحقيقة بين الدعاية والنسيان.
قد يختلف الناس في المواقف والتقديرات، لكن التاريخ سيبقى يسأل:
هل كان ما جرى خطوة نحو شراكة وطنية عادلة تحفظ حقوق الكورد، أم كان بداية تفكيك آخر أوراق القوة الكوردية في سوريا؟
ذلك السؤال لن تجيب عنه التصريحات السياسية، بل ستجيب عنه النتائج التي ستظهر على أرض الواقع، وستحكم عليها الأجيال القادمة بميزان الحقيقة لا بميزان الشعارات.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبداللطيف محمد أمين موسى تُشير كافة التقارير والأبحاث والدراسات المتعلقة بالأمن الاستراتيجي والقومي، الصادرة عن أهم مراكز الأبحاث والدراسات وخبرائها، إلى إمكانية عودة التصعيد الشامل، وبصورة أكبر وأكثر تأثيراً، إلى المنطقة. كما تؤكد أن هذا التصعيد سيختلف عن حرب 12 يوماً وحرب 28 فبراير من حيث التأثير على أمن المنطقة وأمن الطاقة، بسبب تعقيدات هذه الأزمة، ولاسيما الأبعاد…

فيصل اسماعيل على امتداد العقود الماضية، لم تكن العلاقة بين الكرد وبعض عشائر الجوار العربية مجرد خلافات عابرة فرضتها ظروف سياسية مؤقتة، بل مرت بمحطات تركت جراحًا عميقة في ذاكرة أبناء المنطقة. فمنذ تطبيق مشروع الحزام العربي، مرورًا بأحداث قامشلو عام 2004، ثم سنوات الحرب السورية، تراكمت أحداث ساهمت في تعميق فجوة الثقة بين الجيران، ودفعت ثمنها جميع المكونات دون…

يتابع منتدى الكلمة الحرة بقلق بالغ الدعوات إلى إقامة خيمة حرب في بلدة الميلبية جنوب محافظة الحسكة، ويؤكد أن مثل هذه الخطوات لا تخدم مصلحة الوطن، بل تعيد إنتاج خطاب الصراع والانقسام في وقت يحتاج فيه السوريون إلى ترسيخ ثقافة الحوار والتعايش. لقد أنهكت سنوات الحرب أبناء سوريا جميعًا، وخلفت مآسي إنسانية وخسائر كبيرة، ولم يعد هناك ما يبرر العودة…

كفاح محمود في الطب، لا تُعد الحمى مرضًا بحد ذاتها، بل رسالة يبعثها الجسد ليقول إن شيئًا غير طبيعي يحدث في داخله، إنها إنذار مبكر، يعلن أن معركة تدور بين جهاز المناعة وسبب خفي، قد يكون فيروسًا أو بكتيريا أو التهابًا، لذلك لا ينشغل الطبيب بخفض الحرارة وحده، بل يبحث أولًا عن مصدرها، لأن اختفاء الحمى لا يعني دائمًا زوال…