مهند محمود شوقي
في السادس عشر من أيلول عام 1969، كان صباح قرية صوريا، في منطقة زاخو بمحافظة دهوك، يمضي مثل أي صباح آخر. قرية صغيرة على ضفة دجلة، يعيش أهلها على الزراعة وتربية المواشي، ويتجاور فيها المسلمون والمسيحيون في حياة بسيطة، قبل أن يتحول ذلك اليوم إلى واحدة من أكثر الصفحات ألماً في ذاكرة المسيحيين والعراقيين.
وصلت قوة عسكرية عراقية إلى القرية في ذلك الصباح، ثم غادرتها. وبعد مسافة من القرية انفجر لغم تحت إحدى مركباتها، فعادت القوة إلى صوريا. ووفق توثيق الأرشيف الوطني الكوردي للإبادة الجماعية، حاصرت القوة القرية وجمعت سكانها، قبل أن تقع المجزرة.
كان بين الأهالي الكاهن حنا قاشا، الذي جاء إلى القرية للمشاركة في مراسم دينية، إلى جانب مختار القرية وعدد كبير من المدنيين.
انتهى ذلك اليوم بمقتل 39 شخصاً، بينهم 25 مسيحياً و14 مسلماً، وإصابة 27 آخرين. وكان بين الضحايا نساء وأطفال وشيوخ وشبان. ودُفن الضحايا في مقبرتين جماعيتين قرب القرية، قبل أن تبدأ لاحقاً عمليات الكشف عن الرفات والتعرف إلى أصحابها وإعادة دفنهم.
لم تكن صوريا مجرد حادثة بقيت في كتب التاريخ. كانت ذاكرة عائلات عاشت الخوف، وذاكرة مجتمع عرف أن الإنسان يمكن أن يفقد حياته فقط لأنه وجد نفسه في المكان الخطأ، في الزمن الخطأ، تحت سلطة لا تحميه.
لكن مأساة المسيحيين في العراق لم تبدأ في صوريا، كما أنها لم تنته عندها.
المسيحيون جزء أصيل من تاريخ العراق وبلاد الرافدين، ووجودهم ممتد منذ قرون طويلة، تركوا خلالها كنائس وأديرة ومدارس ولغات وتقاليد، وكانوا جزءاً من النسيج الاجتماعي والثقافي للبلاد. غير أن العقود اللاحقة حملت حروباً واضطرابات وصراعات، ثم جاءت مرحلة ما بعد 2003 لتفتح واحدة من أكبر موجات الهجرة في تاريخ المسيحيين العراقيين الحديث.
وتشير تقديرات وزارة الخارجية الأميركية إلى أن عدد المسيحيين في العراق قبل عام 2003 كان يتراوح بين نحو 800 ألف و1.4 مليون، بينما أشار تقريرها لعام 2023 إلى أن عددهم أصبح أقل من 150 ألفاً.
وبين الرقمين، توجد آلاف القصص التي لا تظهر في الإحصاءات.
في عام 2010، تعرضت كنيسة سيدة النجاة في بغداد لهجوم دموي أثناء القداس، وأصبح ذلك الهجوم أحد أكثر الأحداث إيلاماً في تاريخ المسيحيين العراقيين الحديث.
ثم جاء عام 2014، وكان أكثر قسوة.
سيطر تنظيم داعش على الموصل، وبدأت حملة استهدفت المسيحيين وسائر مكونات سهل نينوى. تعرض المسيحيون للتهجير القسري، وغادروا مدناً وبلدات عاش فيها أجدادهم وأبناؤهم لعقود وقرون.
تحولت قره قوش وبرطلة وكرمليس وغيرها إلى مدن خالية من سكانها المسيحيين. وفي أيام قليلة، أصبح الطريق بالنسبة لعائلات كثيرة هو الخيار الوحيد للنجاة.
لم يحمل النازحون معهم الكثير. بعضهم أخذ وثائقه، وبعضهم أدوية أطفاله، وآخرون لم يجدوا وقتاً سوى لحمل ما يستطيعون من ملابس. لكن معظمهم حمل شيئاً لا يظهر في الصور: مفتاح البيت.
كان كثيرون يعتقدون أن الغياب لن يطول.
لكن سنوات مرت.
وبعد أن هدأت أصوات المعارك، بقي سؤال العودة أكثر صعوبة من سؤال الهروب.
ثم جاءت فاجعة الحمدانية في السادس والعشرين من أيلول 2023.
في قاعة أفراح بقضاء الحمدانية في سهل نينوى، كان عشرات العائلات يحتفلون بزفاف، قبل أن يتحول الفرح خلال دقائق إلى كارثة. اندلع حريق في قاعة الاحتفال، وسقط عشرات القتلى ومئات المصابين. وأعلنت منظمة الصحة العالمية في الأيام الأولى مقتل 93 شخصاً وإصابة أكثر من 100، بينما وصفت الأمم المتحدة لاحقاً الحصيلة بأنها تجاوزت 100 وفاة.
كانت الصور القادمة من الحمدانية مختلفة عن صور الحرب والنزوح، لكنها حملت الوجع نفسه.
في صوريا، سقط الناس في قريتهم.
في الموصل وسهل نينوى، هُجّروا من بيوتهم.
وفي الحمدانية، ذهبوا إلى قاعة ليحتفلوا بالحب والزواج، فعاد كثير منهم إلى أهلهم جثامين.
ثلاثة مشاهد تفصل بينها أكثر من نصف قرن، لكنها تلتقي في شيء واحد: الإنسان الذي كان يريد فقط أن يعيش حياته بأمان.
لهذا لا يمكن اختزال مأساة المسيحيين العراقيين في أرقام الهجرة أو أعداد القتلى والنازحين. وراء كل رقم عائلة، ووراء كل عائلة بيت، ووراء كل بيت ذاكرة.
حين يغادر المسيحي العراقي وطنه، لا يغادر رقعة جغرافية فقط. يترك كنيسة تردد فيها صلاة أجداده، ومقبرة يرقد فيها أقاربه، وبيتاً يعرف تفاصيله، وشارعاً حفظ خطواته الأولى.
ولا يمكن لوم من اختار الرحيل بحثاً عن الأمان. الإنسان الذي يخاف على أطفاله لا يحتاج إلى خطاب عن التضحية؛ يحتاج إلى وطن يستطيع فيه أن يعيش.
ربما لا يستطيع العراق إعادة الذين قتلوا في صوريا، ولا يستطيع محو سنوات النزوح من ذاكرة أبناء الموصل وسهل نينوى، ولا يستطيع إعادة من فقدوا أحباءهم في الحمدانية.
لكنه يستطيع أن يتعلم من ذاكرته.
فحماية المسيحيين ليست حماية طائفة فحسب، بل حماية جزء من تاريخ العراق وتنوعه وذاكرته.
وإذا كانت صوريا قد تركت لنا ذاكرة مذبحة، وإذا تركت الموصل وسهل نينوى ذاكرة النزوح، وتركت الحمدانية ذاكرة حريق، فإن الأمل يبقى في ألا تتحول هذه الذكريات إلى فصول متتالية من الحكاية نفسها.
فالعراق الذي يريد أن يحافظ على نفسه، يحتاج إلى أن يحافظ على كل أبنائه.



