لغتنا الكردية هويتنا السياسية

صديق ملا

تعد اللغة هوية الشعوب ووعاء لذاكرتها التاريخية والثقافية ، إذ تسهم في الحفاظ على ملامحها الفكرية ومنع ذوبانها ، وتشكل ركيزة ً أساسية لبقاء الهوية واستمرارها.
فبقاء اللغة الكردية حيّة إلى يومنا هذا رغم كل الظروف والمراحل التاريخية الصعبة والمعقدة والمحن والأهوال التي عانى منها الشعب الكردي يرجع لعدة أسباب أهمها :
التماسك الأسري والمجتمعي
فالبيت الكردي يعتبر المدرسة الأولى حيث الأمهات والجدّات نقلن اللغة الكردية لأطفالهن بالحكايات والأغاني والتهويدات ، لذلك استمرت اللغة الكردية لأنها كانت لغة القلب واليوميات،
والأدب الشفاهي والتراث والفلكلور
فقبل المدارس، كان لدى الكرد تراث شفاهي ضخم: من ملاحم مثل “مم وزين” لأحمدي خاني، وأشعار، وأغاني (Dengbêj ) و(الحيرانوك).
هذا التراث خلق انتماء عاطفياً عميقاً للغة وحفظها في الذاكرة الجماعية , كما أن اللغة الكردية بثرائها الحرفي وعمقها الأدبي شكلت عبر التاريخ مساحة واسعة للإبداع في الأدب والشعر والفكر ، وقد حافظ عليها مئات الكتَّاب والشعراء ومحبيها رغم كل معاناة الطمس والصهر التي واجهتها من قبل أعداء الشعب الكردي ويأتي الشاعر الكردي الكبير جگرخوين في مقدمة من حافظ على هذه اللغة الكردية عندما أبى إلا أن يكتب بلغته الكردية دون غيرها من شعراء الكرد في عصره وبرَّر ذلك بقوله : (( عندما أكتب أشعاري وأدبياتي بلغتي الكردية فسيضطر الآخرين ترجمتها عندئذ ٍ ستكون للغتي قيمة ومكانة خاصة ، أما إذا كتبت بلغة الآخرين فسوف تزول وتضمحل في قادم السنوات والدهور .
والعزلة الجغرافية النسبية ، فكثير من المناطق الكردية جبلية يصعب الوصول إليها . والعزلة هذه ساعدت على تقليل الاختلاط القسري وحافظت على اللغة بعيداً عن سياسات الصهر والقهر الثقافي في المدن والبلدات، فلما تعرضت الكردية للمنع أو التهميش أو الحظر في الدول الغاصبة لكردستان ، تحولت اللغة نفسها لرمز هوية ومقاومة.
فالمنع غالباً يقوّي التمسك، فصار تعلمها وتعليمها فعل وعي وانتماء والدور الريادي الذي لعبته الأحزاب السياسية الكوردية في كوردستان والحفاظ عليها وحث الناس على التعلم والتعليم بلغتهم الأم قراءة وكتابة وفي حلقات صغيرة العدد بعيدة عن أعين السلطات الحاكمة .
كما وكان للإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي من( صحافة وتلفزيون راديو ومواقع الإنترنت سبباً آخر لبقاء هذه اللغة من المحو والاندثار.
فمنذ تسعينات القرن الماضي وإلى اليوم، القنوات الفضائية الكردية، والإنترنت، ووسائل التواصل الإجتماعي ساعدت اللغة بالخروج من البيت إلى العالم . فصار يُنشر في نشرات الأخبار، والمسلسلات ، والأغاني، والمحتوى الرقمي الكامل باللغة الكردية .
وحكماً فإن اللغات تموت أو ستموت عندما يتخلى الأهل أو العائلة بالتكلم مع أطفالهم بلغتهم الأم (الكردية) ، وبالرغم من كل ما عاناه الكرد من اضطهاد وظلم وحرمان وتغيير ديموغرافي ومنعهم من التكلم بلغتهم الأم لكنهم بقوا صامدين أمام حملات التتريك والتعريب والتفريس فلم ينسووا ولم يتركوا لغتهم الكردية بل حافظوا عليها وتوارثوها جيلاً بعد جيل.
والكرد شعب ٌيربو أو يزيد سكانه على 30-45 مليون ، هذا العدد الكبير من البشر وفي أية بقعة من بقاع العالم يخلق كتلة حرجة تستمر فيها اللغة حتى لو تفرقت جغرافياً. فوجود الشعب الكردي في العراق، تركيا، سوريا، إيران، والشتات حافظ على استمراريتها.
واللغة الكردية بلهجاتها المختلفة (كرمانجية، سورانية، زازاكية، كورانية، وغيرها…….) في أغلب الدول(العراق وسوريا وإيران وتركيا) حافظت أيضاً على بقاء هذه اللغة صامدة في وجه أعدائها كصمود جبال كردستان.
واللغة الكردية واجهت العديد من التحديات والصعوبات لأنها ليست لغة رسمية للدولة أو ليست معترف بها في التعليم والإدارة والقضاء. فعندما يدرس الطفل كل المواد بلغة ثانية، تتقلص مساحة الكردية لتصير “لغة بيت” فقط، وهذا أول طريق للاندثار.
فهيمنة اللغات المسيطرة
العربية، التركية، الفارسية، وحالياً الإنجليزية. هي لغات الوظيفة والجامعة والإنترنت والتكنولوجيا. ف(الشاب أو الشابة) الكردي يحتاجها للشغل والعمل والحياة، فتصير الكردية ثانوية. لأن الكثير من المصطلحات الحديثة مثل “كمبيوتر” و “إنترنت” تدخل مباشرة إلى البيوت بدون استئذان .
وكذلك الهجرة والشتات جعلت ملايين الكرد يعيشون في أوروبا وأمريكا وكل أصقاع المعمورة، فالجيل الثاني والثالث في الشتات يتعلم حكماً لغة البلد الجديد أسرع، والأهل يلاقون صعوبة كبيرة لتعليم أو تلقين الكردية لأطفالهم وسط مجتمع كامل يتكلم الألمانية أو السويدية مثلاً.
فلوحة المفاتيح، التدقيق الإملائي، الترجمة الآلية، المساعدات الذكية مثل سيري وأليكسا — دعمها للكردية ضعيف مقارنة باللغات الكبيرة وهذا يجعل من استخدام الكردية أونلاين أصعب وأبطأ،
ومن أبرز التحديات التي واجهت وتواجه اللغة الكردية واستمرارها هي الصراعات السياسية ، فتسييس اللغة يضرها. لما تُمنع الكردية أو تُحارب، هذا يخلق رد فعل عكسي مؤقت، لكنه كذلك يمنع تطورها الطبيعي في المدارس والجامعات والإعلام الرسمي لعقود.
ومقارنة بالعربية أو التركية أو الفارسية ، فالمحتوى الكردي في العلوم والطب، والبرمجة، وأدب الأطفال قليل. فالمتحدث يضطر أن يترك اللغة الكردية عندما يبحث عن معلومة متخصصة .
و الأخطر من كل هذا وذاك هو عندما يترك الكردي لغته الكردية ويهملها أو يهمشها لغاية توظيف في دائرة حكومية ، أو تدريس في أحد الإختصاصات العلمية والنجاح فيها .
والتاريخ الكردي حافلٌ بأمثلة أدبية وفكرية وسياسية رغم كل القيود ، فما تحققه شعوب مستقرة عبر مسار طبيعي ، يحققه الشعب الكردي عبر مسار شاق وطويل مليء بالعقبات .
وستبقى اللغة الكردية جزءاً أساسياً من الهوية والثقافة الكردية ، وصوتاً حيّاً لا يمكن إسكاته أو إنكاره أو محوه.
Sedîq Mella
7/5/2026 ألمانيا

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حسن قاسم ليست كل الأحداث التي تمر على الشعوب مجرد وقائع عابرة، فبعضها يتحول إلى محطات فاصلة تحدد مصير أمة بأكملها، وتصبح الكتابة عنها واجباً أخلاقياً وقومياً للتوثيق أمام الأجيال القادمة. ومن هنا تأتي أهمية تثبيت الوقائع كما هي، سواء حملت الخير لشعبنا أو كانت سبباً في انتكاسته، لكي يبقى التاريخ شاهداً على من ناضل بإخلاص دفاعاً عن الحقوق القومية،…

عبدالجبار شاهين يا للعجب، إنهم أول من دعا إلى وحدة الصف الكردي، لكنهم حين وقفوا على أعتاب هذه الوحدة تحولوا إلى حجرة عثرة كبيرة في سبيلها، لماذا؟ لأنهم بكل وقاحة يطالبون بالوحدة تحت إمرتهم فقط، أي إذابة كل الكرد في بوتقة ضيقة يرأسونها هم، وكأن الوحدة لا تكتمل إلا عندما يصبح الجميع ظلاً لهم وامتداداً لسلطتهم. إنهم ذاتهم الذين نادوا…

عمر إبراهيم لم يعد بناء لوبي كوردستاني خيارًا مؤجلًا، بل أصبح حاجة واقعية في ظل عالم تُصنع فيه القرارات عبر التأثير المنظم، لا عبر الشعارات. رغم ما يمتلكه الكورد من طاقات بشرية، وخبرات علمية، وحضور متزايد في أوروبا ، إلا أن هذا الحضور ما زال مشتتًا، ويعمل في كثير من الأحيان بشكل فردي أو حزبي، دون تنسيق فعّال. المشكلة…

مسلم شيخ حسن – كوباني   عندما تحرم الشعوب من أبسط حقوقها الإنسانية لعقود طويلة فإن آثار الاستبداد لاتتوقف عند حدود السياسة فحسب بل تمتد الى الثقافة والهوية واللغة والكرامة الإنسانية. هذا ما عانته سوريا لأكثر من خمسة عقود في ظل نظام البعث وآل الأسد، اللذين حكما البلاد بعقلية أمنية منغلقة وبنيا حكمهما على القمع والإقصاء والخوف. دفع جميع…