د. محمود عباس
الأمم الصغيرة ومكانتها في النظام العالمي الجديد.
لم يعد النظام العالمي الجديد حكرًا على الأمم الكبرى وحدها، ولا باتت المكانة الدولية تُمنح فقط لمن يملك المساحة الأوسع أو الجيوش الأضخم. فخلال العقود الأخيرة، أثبتت تجارب متعددة أن أممًا ودولًا صغيرة استطاعت أن تفرض لنفسها وزنًا يتجاوز حجمها الجغرافي والديمغرافي، لا لأنها غلبت العالم بالقوة العسكرية، بل لأنها أحسنت تنظيم ذاتها، واستثمرت في الإنسان، وبنت اقتصادًا منتجًا، وربطت حضورها الداخلي بفاعلية خارجية ذكية.
سنغافورة لم تصبح رقمًا صعبًا لأنها دولة كبيرة، بل لأنها حوّلت محدودية الجغرافيا إلى ميزة، وبنت نموذجًا يقوم على التعليم والانضباط والإدارة والكفاءة الاقتصادية. وإستونيا لم تفرض حضورها لأنها تملك قوة عسكرية كبرى، بل لأنها جعلت من الرقمية والمعرفة والإدارة الحديثة مصادر لشرعيتها ومكانتها. وحتى قطر، على صغر مساحتها، استطاعت أن تبني نفوذًا سياسيًا وإعلاميًا وماليًا فاق أوزانًا أكبر منها. وهذه الأمثلة لا تعني أن العالم صار عادلًا، بل تعني أنه لم يعد مغلقًا بالكامل أمام الأمم الصغيرة، إذا عرفت كيف توظف عناصرها.
الشعب الكوردي لا يتحرك من داخل دولة تملك ثرواتها وقرارها، بل من داخل سجن جغرافي وسياسي واقتصادي كبير، ولهذا لا يجوز أن يُسأل كيف يبني نهضة كاملة كما تُبنى نهضات الأمم الحرة، بل كيف يبني عناصر قوته الممكنة داخل القيد، تمهيدًا لكسره. فالمأساة ليست فقط في حجم الحصار، بل في أن يتحول الحصار إلى ذريعة لتأجيل كل مشروع، أو إلى عادة سياسية تُدار داخلها الهزيمة بدل أن يُخطط داخلها للتحرر.
ومن هنا، يبرز السؤال الكوردستاني بحدة، إذا كانت أمم ودول صغيرة استطاعت أن تجد لنفسها موقعًا مؤثرًا في النظام العالمي، فما الذي يمنع الشعب الكوردي، وهو أمة كبيرة بالمعنى التاريخي والبشري، من أن يتحول إلى قوة أكثر حضورًا وفاعلية؟ لماذا بقي الكوردي، رغم عمق قضيته وعدالة مطالبه واتساع جغرافيته وطاقاته البشرية، محصورًا غالبًا في خانة المظلومية، بدل أن ينتقل إلى خانة الفعل المنظم وبناء المكانة؟
المشكلة هنا لا تتعلق فقط بغياب الدولة، رغم أن ذلك هو الجرح الأكبر، بل أيضًا بطريقة النظر إلى الذات. فجزء من العقل السياسي الكوردي ما يزال يفكر بمنطق الدفاع المستمر، لا بمنطق البناء الطويل. ينشغل بكيفية النجاة من الخطر الآني أكثر مما ينشغل بكيفية تحويل الوجود الكوردي إلى مشروع قابل للتراكم. وفي عالم اليوم، لا يكفي أن تكون قضيتك عادلة، بل ينبغي أن تجعل من هذه العدالة مشروعًا منتجًا ومؤثرًا ومحترمًا.
والشعب الكوردي لا يفتقر إلى المقومات. فهو يمتلك طاقات بشرية واسعة، ومجتمعًا شابًا في أجزاء كثيرة من كوردستان، وجاليات مؤثرة في أوروبا وأمريكا، وموارد طبيعية مهمة، وموقعًا جغرافيًا حساسًا، وتجربة سياسية متراكمة، فضلًا عن ذاكرة نضالية قلّ نظيرها. لكن هذه العناصر لم تتحول بعد إلى قوة استراتيجية موحدة، لأن جزءًا كبيرًا منها ما يزال مبعثرًا، أو أسير الصراعات الحزبية، أو محكومًا بردود الفعل، لا برؤية بعيدة المدى.
ومن بين الجغرافيات الكوردستانية كلها، يبرز جنوب كوردستان بوصفه التجربة الأكثر تقدمًا حتى الآن. فقد تمكن، رغم العثرات والانقسامات، من بناء كيان فيدرالي معترف به، وفرض نفسه في المعادلة العراقية، وتطوير مستوى من العمران والاستقرار والعلاقات الخارجية يجعله الأكثر نضجًا في التاريخ السياسي الكوردي الحديث. وهذه ليست مسألة إدارية فقط، بل دليل على أن الكورد، حين تتوفر لهم فرصة سياسية وحد أدنى من الاستقرار، قادرون على بناء تجربة أكثر نجاحًا من كثير من الكيانات الأكبر حجمًا.
لكن القيمة الحقيقية لجنوب كوردستان لا يجب أن تُقاس فقط بما أنجزه محليًا، بل بما يمكن أن يمثله استراتيجيًا. فإما أن يبقى نجاحًا إقليميًا محدودًا، أو أن يتحول إلى مركز ثقل كوردي، وإلى نموذج قابل لتوليد أثر أوسع في الوعي والسياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية. هنا تحديدًا يكمن التحدي، كيف تتحول التجربة من مجرد كيان يحمي نفسه، إلى قاعدة ترفع من شأن المشروع الكوردستاني كله؟
أما في بقية أجزاء كوردستان، فإن الإشكالية أكثر تعقيدًا. ففي غربي كوردستان مثلًا، لم تنجح التضحيات الكبيرة حتى الآن في إنتاج تعريف سياسي قومي راسخ بمستوى الدم المبذول. وفي شرقي كوردستان، ما يزال القمع الإيراني يمنع تشكل فضاء سياسي طبيعي. وفي شمال كوردستان، بقي الثقل السكاني والنضالي الكوردي محاصرًا داخل معادلات الدولة التركية وأزماتها. وهذا يعني أن القضية الكوردية، رغم حضورها القوي، ما تزال تفتقر إلى تحويل هذا الحضور إلى بنية تأثير متكاملة.
ولهذا، فإن النقاش الكوردي لا ينبغي أن يبقى سجين سؤال، كيف نحافظ على ما لدينا؟ بل يجب أن ينتقل إلى سؤال أكثر تقدمًا: كيف نبني مكانتنا؟ كيف نحوّل الكفاءة الكوردية في الشتات إلى شبكات تأثير؟ كيف نصنع تعليمًا أفضل، واقتصادًا أقدر، وخطابًا أذكى، ومؤسسات أكثر رسوخًا؟ كيف ننتقل من رد الفعل القومي إلى الفعل القومي المنتج؟
الأمم الصغيرة التي فرضت نفسها لم تنتظر اعترافًا مجانيًا من العالم، بل صنعت شروط احترامها بنفسها. وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن يدخل إلى صلب التفكير الكوردي. فالقضية الكوردية لن تتقدم فقط بصدق المظلومية، بل بقدرة الكورد على تحويل هذه المظلومية إلى مشروع بناء. ولن يصير الكوردي عنصرًا فاعلًا في النظام العالمي الجديد لمجرد أنه تعرّض للظلم، بل حين يثبت أنه قادر على تنظيم موارده، وبناء مؤسساته، وصياغة مكانته بوعي تاريخي جديد.
إن الفرق بين أمة تبقى على هامش العالم، وأمة تبدأ في فرض نفسها داخله، لا يصنعه حجم الجرح وحده، بل مستوى الوعي الذي يحسن تحويل الجرح إلى مشروع. وهنا يكمن السؤال الحقيقي أمام الحراك الكوردستاني اليوم، هل يريد أن يبقى حارسًا لذاكرة المظلومية فقط، أم أن ينتقل إلى طور بناء المكانة؟
فالعالم الجديد، رغم قسوته، لا يغلق أبوابه فقط على الضعفاء، بل يفتح منافذه أيضًا أمام من يعرف كيف ينظم ذاته، ويستثمر طاقاته، ويجعل من قضيته أكثر من مجرد صرخة احتجاج. وإذا نجح الكورد في هذا التحول، فلن يكونوا مجرد أمة تطالب بحقها، بل أمة تبدأ في فرض وزنها داخل نظام عالمي يعاد تشكيله من جديد.
يتبع…
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
11/3/2026م