ماجد ع محمد
صحيحٌ بأن المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وإيران في إسلام آباد بباكستان تلكأت مرةً أخرى، ولكن هذا لا يعني بأنهم وصلوا إلى طريقٍ مسدود، ما دام أن الخصمين اللدودين إلى الآن مهتمان بالتهدئة، كما أنه معروف عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه مزاجي ورجل صفقات، حيث إن عيونه في كل الأوقات مفتوحة على الجانب الاقتصادي، وهذه الجزئية ينبغي ألّا تغيب عن بال من يدقون طبول الحرب وبودهم أن تحررهم واشنطن من نظام الملالي.
فليس من باب بث اليأس فيمن يتوقون للتخلص من كابوس الملالي الجاثم على صدور الإيرانيين بمختلف انتماءاتهم الدينية والعرقية نقول ذلك، إنما لأن ترامب على وجه الخصوص لا يُعوَّل عليه في جلب الخير المنتظر، لأن آخر همّ لديه هو دحر دولة الظلاميين في إيران وغيرها، وآخر ما يفكر فيه هو جلب الحرية للتائقين لها في إيران أو العالم، باعتبار أنه لمجرد أن يتم إنجاز ما يريده ماليًا، فوقتها من الممكن أن يتفق مع النظام المتهالك المنهار طالما أنه سيحقق له كل أهدافه الاستراتيجية.
ثم إنه ما بعد إزاحة نظام الملالي، هذا إن كان هناك مخطط فعلي معد للإزاحة، قد يكون الحال أسوأ مما هو قبله بالنسبة إلى ترامب، باعتبار أن النظام المتهالك الجريح قد يتنازل عن الكثير لقاء بقائه حيًا، ولو كان مشلولًا، بينما عقب السقوط فما من دليل على أن الطواقم الجديدة ستكون عند حسن ظن من ساهموا في إسقاط ذلك النظام، بما أن وضع طهران من جهة تعدد القوميات وتعدد الأطراف المحيطة القادرة على التحكم بالمجموعات العرقية فيها وتوجيهها وفق مصالحها ليس أفضل من وضع سوريا إذا ما انهار نظام الملالي.
ولهذا السبب فلربما كان بقاء نظام الملالي محطمًا عسكريًا واقتصاديًا كثعبانٍ مكسور الظهر ومنزوع الأنياب أفيد لواشنطن وإسرائيل من بلادٍ تعمها الفوضى وتعيش حالة الفلتان الأمني، هذا عدا عن أنه ما من ضمانة على أن القادة الجدد بعد رحيل الملالي سيكونون طوع بنان إسرائيل وأميركا، لذلك فلنفترض جدلًا بأنه تم ترجيح سيناريو إبقاء النظام معطوبًا مقابل باقي السيناريوهات، ألا يعني ذلك استمرار أدوات إيران في الخارج بإزعاج الجيران، بما أن أميركا نفسها إذا ما أنجزت الذي تريده بفضل النظام الحالي فقد تغض الطرف وقتها عن ممارسات أذرع طهران في المنطقة ككل، وفي هذه الحالة لا شك في أن الحلقة الأضعف من سلسلة حلفاء واشنطن الذين سيتعرضون لهجمات الميليشيات التابعة لإيران في العراق هي إقليم كردستان، التي نشرت دائرة الإعلام والمعلومات فيها آخر إحصائية لها عن حجم الهجمات التي تعرض لها الإقليم خلال الفترة الممتدة من 28 شباط (فبراير) حتى 20 نيسان (أبريل) 2026، إذ إن تلك الهجمات العدوانية أسفرت عن وقوع 20 شهيدًا و123 جريحًا، فضلًا عن إلحاق أضرار مادية بمئات المنازل وأماكن العمل والسيارات التابعة للمواطنين.
كما أن أميركا نفسها بكل عظمتها العسكرية والاستخباراتية لم تستطع إلى الآن بتر أيٍّ من أذرع طهران في العراق، لذا لجأت في المرة الماضية إلى تخصيص مكافأة مالية تصل قيمتها إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات عن أحمد الحميداوي زعيم كتائب حزب الله في العراق، وفي المرة الأخرى أعلنت قبل أيام أنها أوقفت شحن 500 مليون دولار إلى العراق، وذلك كله للضغط على الحكومة العراقية لكي تقوم بتفكيك الميليشيات العراقية التي تسلحها بغداد وتدفع مرتبات عناصرها من خزينتها، بينما هي تتلقى الأوامر والتوجيهات من نظام الملالي في طهران!
على كل حال، فإذا لم تستطع حكومة إقليم كردستان عبر شركائها الدوليين توفير المعدات اللازمة لحماية مواطنيها وحماية البنية التحتية للطاقة فيها من تلك التهديدات المستمرة، وأمام السيناريو المطروح في الأعلى، فما الذي على حكومة إقليم كردستان فعله غير إصدار بيانات الإدانة، ومطالبة الحكومة الاتحادية باتخاذ إجراءات عملية لإنهاء هذه الهجمات، ودعوة المجتمع الدولي إلى الوقوف بوجه مجاميع من الزعران الذين بمقدور عُصبة من أهالي الإقليم التصرف معهم بالطريقة التي يفهمونها، ومن دون حاجة الإقليم إلى استجداء الحماية من المجتمع الدولي أو من واشنطن.
إذ باعتبار أن حكومة الإقليم لا تحيد عن النهج السلمي الذي اختارته، وتفضِّل الطرق الدبلوماسية في أحلك الظروف، ومتمسكة على الدوام بموقفها الداعم للسلام والاستقرار، وبما أن آخر الدواء هو الكي، لذا فإنه في حال استمرت الهجمات على الإقليم فإن آخر حل لوقف عدوان تلك الميليشيات العاملة بتوجيهات الجهات المعادية لإقليم كردستان هو التعامل بالمثل، ولكن من دون أي تدخل لحكومة الإقليم بطريقة الرد الفعالة تلك، إنما الآلية المطروحة هي في ملعب الغيورين الذين باتوا يفكرون بتشكيل عُصبة من البيشمركة، سواء من المتقاعدين أو من الذين ما يزالون على رأس أعمالهم، للبدء بملاحقة قادة الميليشيات والتخلص منهم ميدانيًا على طريقة مامه ريشة (نجم الدين شكر رؤوف)* الذي زرع الرعب في قلوب ضباط صدام حسين وأنهك الجيش العراقي مع مجموعته الصغيرة قبل اغتياله، وهكذا لا تتورط حكومة الإقليم بأي رد على تلك الفصائل التي سعت جاهدةً لجر الإقليم إلى القتال المباشر ولم تفلح في مساعيها، وبنفس الوقت تستطيع تلك العُصبة المتطوعة والمختارة بعناية تخليص الأهالي في الإقليم من مصادر الإرهاب الذي يُهدِّد جميع سكانه من الأطفال والنساء والشيوخ والشباب ليل نهار.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*نجم الدين شكر رؤوف، المعروف بلقبه الشعبي “مامه ريشة”، وُلد في قرية طالبان التابعة لمنطقة گرميان جنوبي كردستان في كنف عائلة تنتمي إلى قبيلة الجبارية، انتسب في شبابه إلى حركة التحرير الفلسطينية ثم عاد إلى العراق وانضم إلى صفوف البيشمركة.