“الاندماج الديمقراطي”: قدرٌ يُكتب خارجنا

عاكف حسن
في كل مرحلة سياسية معقدة، يظهر مصطلح يلمع أكثر مما يشرح، ويُستخدم أكثر مما يُفهم. في حالتنا، اسم هذا المصطلح هو: “الاندماج الديمقراطي”.
هذه ليست نظرية سياسية بقدر ما هي وصفة سحرية جاهزة، خرجت من فضاء أفكار عبد الله أوجلان، لا من رحم التجربة السياسية والاجتماعية لروجافا. ومن هنا يبدأ الالتباس: مشروع لم يُصغَ على قياس طموحات الناس هنا، يُقدَّم لهم كأنه الإجابة النهائية على كل الأسئلة.
لكن لنكن صريحين: هذا “الاندماج” لم ينبت في فراغ. هو جزء من هندسة سياسية صيغت أساساً في سياق كردستان تركيا، داخل علاقة معقدة وثقيلة بين أوجلان وأنقرة. هناك، في ذلك السياق، تشكلت الخريطة: حدود، شروط، وإيقاع حركة لا يشبه واقعنا هنا لا من قريب ولا من بعيد. ومع ذلك، يُطلب من روجافا أن ترتدي هذا القالب كما هو، وكأنه فُصّل خصيصاً لها.
النتيجة؟ نسخة سياسية مُعاد تدويرها، تُقدَّم كأنها حل شامل، بينما هي في أفضل الأحوال إدارة غموض. “اندماج” على الورق، لكن على الأرض: فتات من المواقع، ومناصب فردية، وسباق خافت نحو مواقع صغيرة يُفترض أنها تغطي على سؤال أكبر بكثير: أين المشروع الوطني؟ وما هو أصلاً؟
هكذا يتحول المفهوم من فكرة إلى ستار. ستار جميل اللفظ، واسع المعنى، لكنه عملياً يُستخدم لتغطية فراغ سياسي متزايد. وكلما ازداد الفراغ، ازداد الحديث عن “الاندماج”، وكأن التكرار قادر على إنتاج المعنى.
والمفارقة أن من يُفترض أنه يقدّم الإطار، يفعل ذلك من مكان مغلق تماماً عن هذا الواقع. وهنا يحق التساؤل، ليس بسخرية فقط، بل بقدر من الدهشة: لماذا يُفترض أن تُفصَّل خريطة طريق روجافا في مكان آخر، وعلى يد شخص يعيش خارج تفاصيلها اليومية؟ أليست السياسة، في أبسط تعريفاتها، بنت الأرض التي تتشكل عليها؟
إن تحويل هذا المشروع إلى “وصفة جاهزة” ليس اندماجاً بقدر ما هو إعادة توزيع للأدوار: نأخذ بعض المواقع، بعض الألقاب، بعض الوعود، ونترك الجوهر جانباً. ثم يُقدَّم لنا على أنه “التقدم”.
ربما المشكلة ليست في المصطلح نفسه، بل في القداسة التي أُحيط بها، حتى باتت أي محاولة لقراءته نقدياً تبدو وكأنها خروج عن النص. بينما الحقيقة أبسط وأقسى: لا يمكن لمشروع صيغ في سياق آخر، وبشروط غير شروطنا، أن يتحول إلى قدر سياسي علينا أن نتبعه بصمت.
وهنا، بدل الدوران في هذه الحلقة، لماذا لا يكون لنا مشروعنا السياسي الوطني الخاص بنا؟ مشروع يُفصَّل على قياس طموحات شعبنا، لا على قياس خرائط الآخرين. مشروع نذهب به إلى دمشق، لا كمُلحقين، بل كطرف يعرف ماذا يريد. ألسنا قادرين، مع دمشق ومع الحلفاء، على انتزاع ما يحفظ كرامتنا ويؤمّن مستقبلاً واضحاً؟ أليس هذا أجدر بكل تلك التضحيات من الركض وراء فتاتٍ إداري؟
الدرس أبسط مما يبدو: القضية التي لا تُكتب بأيدي أصحابها، تُعاد كتابتها ضدهم.
والمصطلح الذي يُفرض كحل، يتحول مع الوقت إلى غطاء… لدفن الحل.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان من المؤسف أن يظهر بيننا اليوم بعض الكتبة حديثي العهد ممن يتعاملون مع تاريخ الكتابة والإبداع الكوردي وكأنه بدأ معهم، فيسارعون إلى التشكيك في إنتاج كتاب ومفكرين وأكاديميين كورد، وكأن ما سبقهم لم يكن موجوداً، أو كأن الكتابة لم تكن لها أثمانها في زمن لم تكن فيه وسائل التواصل الاجتماعي، ولا الذكاء الاصطناعي، ولا تلك المساحات…

علي جزيري يُضفي الموقعان الفلكي والجغرافي أهمية جيوبولوتيكية على بلاد الكرد؛ وتضفي مساحتها التي تناهز مساحة فرنسا القارية، وتركيبها الجيولوجي، ووقوعها في قلب الشرق الأوسط أهمية استراتيجية بالغة، ولاسيما أنها تطفو على بحر من النفط والغاز، وكانت تمرُّ فيها قديماً طرق (الحرير البرية القادمة من الصين، والتوابل من الهند، والبخور من شبه الجزيرة العربية متجهة نحو البحر المتوسط وأوروبا)، إضافة…

عمر كوجري / رئيس تحرير صحيفة كوردستان تأسس حزب العمال الكردستاني عام 1978 من قبل مجموعة من المثقفين الكورد والأتراك، وكان هدفه الأساسي والرئيسي وقتذاك (تحرير وتوحيد كوردستان) ولأنه جاء، وتأسس بهدف دسم وقوي، فقد استطاع أن يكوّن أرضية قوية وصلبة من المؤيدين، وخاصة فئة الشباب آنذاك استفاد الحزب بطبيعة الحال من الوضع السياسي غير المستقر والمتأزم للحركة السياسية الكوردية…

كۆهدرز تمر إن مصائر الشعوب، ودماء أبنائها، وقضاياها الوطنية ليست مجرد حقول تجارب للأفراد أو الأحزاب أو التنظيمات؛ بل هي أمانة تاريخية كبرى تثقل كواهلهم. لذا، واستناداً إلى الأعراف السياسية والأخلاقية، نرى لزاماً على القيادات التي تفشل في تحقيق طموحات شعوبها وأنصارها أن تتحلى بجرأة الاستقالة والاعتذار أمام الشعب والتاريخ. إن جرَّ شعبٍ بأكمله لعقود من الزمن تحت بريق…