الذكرى السنوية الأولى لتعطيل مؤتمر قامشلو الفرصة الضائعة ومسؤوليات المرحلة

عبد الرحمن حبش 
تمر الذكرى السنوية الأولى لتعطيل مؤتمر قامشلو، الحدث الذي كان يعوّل عليه ليشكل نقطة تحول في مسار العلاقة بين المجلس الوطني الكردي في سوريا والإدارة الذاتية، بمشاركة أحزاب سياسية أخرى ومنظمات المجتمع المدني وشخصيات مستقلة، بوصفها لحظة سياسية فارقة لم تستثمر كما ينبغي. لم يكن ذلك المؤتمر مجرد لقاء تنظيمي عابر، بل كان محاولة جدية لإعادة صياغة التوازنات الكوردية –الكوردية وبناء أرضية مشتركة في ظل تعقيدات المشهد السوري وتداخلاته الإقليمية والدولية، غير أن تعطيله في اللحظات الحاسمة أعاد الأمور إلى مربع الانسداد، وأثار تساؤلات عميقة حول جدية الأطراف في المضي نحو شراكة سياسية حقيقية.
لقد عكست واقعة التعطيل حجم التباينات البنيوية بين القوى الكوردية ، ليس فقط على مستوى البرامج والرؤى، بل أيضا في ما يتعلق بمفهوم الشراكة وتقاسم النفوذ والمرجعية التمثيلية. فبدل أن يشكل المؤتمر مساحة لتقريب وجهات النظر ومعالجة الملفات الخلافية، تحول إلى مؤشر إضافي على عمق أزمة الثقة المتراكمة، والتي لا تزال تعيق أي محاولة للتقدم نحو مشروع وطني جامع. وفي هذا السياق، لم يعد الخلاف محصورا في تفاصيل إجرائية أو تقنية، بل بات مرتبطا بإرادات سياسية متباينة، تتأرجح بين الرغبة في الانفتاح والحسابات الحزبية الضيقة.
إن تداعيات تعطيل مؤتمر قامشلو لم تقتصر على إفشال مبادرة سياسية بعينها، بل امتدت لتطال مجمل الحالة الكوردية في سوريا، حيث ساهمت في تكريس حالة الجمود والانقسام، وأضعفت ثقة الشارع بالقوى السياسية، كما أضرت بصورة الموقف الكوردي في المحافل السورية والدولية. وفي ظل غياب إطار جامع للحوار والتنسيق، تراجعت فرص بلورة رؤية موحدة تجاه القضايا المصيرية، الأمر الذي أفسح المجال أمام تدخلات خارجية تستثمر في هذا التشرذم وتعيد توظيفه بما يخدم مصالحها.
ورغم مرور عام كامل على تلك اللحظة، فإن المراجعة الجدية لا تزال غائبة، إذ لم تقدم الأطراف المعنية على خطوات ملموسة لمعالجة أسباب الفشل أو إعادة إطلاق مسار الحوار على أسس جديدة. بل على العكس، ما زال الخطاب السياسي في كثير من الأحيان أسير الاتهامات المتبادلة والتبريرات، وهو ما يعمق فجوة الثقة بدل ردمها. وفي هذا الإطار، تبدو المسؤولية مشتركة بين جميع الأطراف، بدرجات متفاوتة، نتيجة غياب الإرادة السياسية الحقيقية لتقديم تنازلات متبادلة، وافتقار العملية برمتها إلى ضمانات وآليات واضحة لبناء الثقة.
إن استذكار تعطيل مؤتمر قامشلو بعد عام لا ينبغي أن يكون مجرد استحضار لفرصة ضائعة، بل يجب أن يتحول إلى مناسبة لإعادة التفكير في أولويات المرحلة، والانطلاق نحو مقاربة أكثر واقعية ومسؤولية. فالتحديات التي تواجه القضية الكوردية في سوريا، سواء على المستوى السياسي أو الأمني أو الاجتماعي، تتطلب حدا أدنى من التوافق والتنسيق بين القوى الفاعلة، وهو ما لا يمكن تحقيقه دون إعادة إحياء مسار الحوار الكوردي –الكوردي بروح جديدة تقوم على الشراكة لا الإقصاء، وعلى المصالح المشتركة لا الحسابات الضيقة.
في المحصلة، تبقى الذكرى السنوية الأولى لتعطيل مؤتمر قامشلو تذكيرا مؤلما بحجم الفرص التي يمكن أن تضيع في لحظات التردد أو سوء التقدير، لكنها في الوقت ذاته تحمل في طياتها إمكانية التحول إلى نقطة انطلاق جديدة إذا ما توفرت الإرادة السياسية الصادقة. فالتاريخ لا ينتظر المترددين، وأي تأخير إضافي في معالجة الانقسام الداخلي سيُضاعف من كلفة المرحلة، ويجعل من استعادة المبادرة مهمة أكثر تعقيدا في المستقبل.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

مسلم شيخ حسن – كوباني شكل انعقاد الكونفرانس الكردي في السادس والعشرين من نيسان 2025 في مدينة القامشلي محطة سياسية بارزة، انعقدت عليها آمال واسعة لدى الشارع الكردي في سوريا، مدعومة بغطاء كردستاني لافت عكس إدراكاً جماعياً لأهمية اللحظة. وقد أفرز هذا الحدث جملة من المخرجات السياسية، على الصعيدين الوطني والكردي، بدت في ظاهرها متقدمة ومنسجمة مع تطلعات السوريين عموماً…

عبد اللطيف محمد امين موسى تتمثل الحاجة الى ضرورة البحث عن الاولوية في الانطلاق الى صياغة خارطة تعتمد على الحاجة الى اعادة هيكلية اولويات العمل السياسي الكوردي في سوريا، ولابد ان تكون عملية تأهيل وبناء الفرد الاستراتيجية الاساسية فيها، لما يشكل الفرد العامل الاساسي والقوة الحقيقية والشرعية في اي محطة لممارسة النضال السياسي ضمن الاطر العامة للتنظيمات والاحزاب السياسية. تكمن…

احمد مرعان مقولة الممثل السوري نهاد قلعي رحمه الله ( نهاد قلعي ) في مسلسل صح النوم ” كي نعلم ما في إيطاليا يجب أن نعلم ما في البرازيل ” تجسد الواقع العالمي الجديد وفق معطيات تكرس الحقيقة بوجهها الصحيح ، لما آلت إليه العلاقات الدولية بتفسير الحقائق طبقا للمصالح .. تشهد سوريا منذ أكثر من عقد ونصف تحولات عميقة…

د. محمود عباس من فمٍ إلى آخر، قد تتحول اللغة الكوردية من موسيقى عذبة تطرب لها الأذن، إلى صوتٍ نشاز تتأفف منه النفس. ولا يعود ذلك إلى اللغة ذاتها، فهي لغة رشيقة، دافئة، ومشحونة بذاكرة شعبٍ طويل العناء، بل إلى الطريقة التي تُنطق بها، وإلى مقدار ما بقي فيها من نقائها، أو ما علق بها من لغات الدول التي احتلت…