لوند حسين*
لا يمكن فهم شخصية حاجو آغا الهەڤێركي ضمن ثنائية سطحية تختزلهُ بين «موالٍ للسُلطات العُثمانية-التُركية» و«بطل قوميٌ كُردي»، فالتاريخ الكُردي، وخاصة في مرحلتِهِ العثمانية-التُركية الانتقالية، كان أكثر المراحل تعقيداً من هذه الأحكام الجاهزة؛ فقراءة مسيرتِهِ تتطلب وضعها ضمن سياق صراعات البقاء، والتحالفات العشائرية، والتحولات السياسية التي فرضت نفسها على الزعامات الإقطاعية المحلية.
ضمن هذا السياق، يأتي كتاب «سلاطين هەڤێركان/ صفحة من تاريخ الكُرد» للباحث نزير جبو (2012) كأحد المصادر المهمة التي توثق البُنية العشائرية والتحالفات في كُردستان (تركيا وسوريا)؛ حيثُ يُشير بوضوح إلى وجود تحالفين رئيسيين: تحالف الهەڤێركان وتحالف الدكشوريبن؛ فبينما ارتبطت عشائر الهەڤێركان تاريخياً بالإمارات والانتفاضات والثورات الكُردية، بينما كانت عشائر الدكشورية أقرب إلى السلطة العثمانية؛ مع العلم أنَّ هذا التحالُف لم يبقى ثابتاً، والجدير بالذكر أنَّ الكثير من العشائر الكُردية انقسمت كعشيرة واحدة بين التحالُفين، وفقَ ما حصلتُ على معلومات من أبناء عدد من العشائر.
مع اندلاع ثورة الشيخ سعيد پيران عام 1925، حصل تحول جذري حين تسلم حاجو الثالث زعامة تحالف الهەڤێركان، ليتجه هذا التحالف نحو الاصطفاف مع السلطة العُثمانية-التُركية ضد الثورة؛ هذه النقطة تحديداً تُعد من أكثر المحطات إثارةً للجدل، وغالباً ما يتم القفز عليها في السرديات التي تُحاول تبرئة حاجو آغا بشكلٍ مُطلق.
الكتاب يُقدم روايات صريحة ومدعومة بشهادات، أبرزها مقابلة الصحفي حامد قليج أرسلان مع چاچان حاجو (مجلة جرا، 1982)؛ حيثُ ينقل عن والده أن حاجو آغا أُلبس زي ضابط تركي وأُجلس بين الضباط في قاعة محكمة الشيخ سعيد پيران؛ كما ينقل حواراً مُباشراً مع الشيخ سعيد، حين سُئل: «ألم يكن حاجو مؤيداً لك؟» فأجاب: «كلا، إنّهُ كان عدونا وقد قاتل ضدنا».
ولا تقف الشهادات عند هذا الحد، بل يذكر چاچان أيضاً أنَّ القاضي علي صائب طلب من حاجو آغا سحب حبل المشنقة، في مشهد بالغ الرمزية، يعكس موقعه آنذاك ضمن منظومة السلطة.
هذه الروايات تتقاطع مع ما أورده أوصمان صبري في مُذكراته، حين أشار إلى مشاركة حاجو آغا مع شخصيات أخرى في قتال ثوار الشيخ سعيد وقطع الطريق عليهم؛ بل إنّ إشارات مشابهة تظهر حتى في ما نُقل عن الفنان جوان حاجو، الذي أقر بأن موقف جده المُتعاون مع السُلطات العُثمانية-التُركية لم يمنحهُ مكاسب حقيقية رغم وقوفِهِ إلى جانب الدولة.
أمام هذه الوقائع، لا يمكن إنكار أنّ حاجو آغا كان، في مرحلة معينة، جزءاً من آلة السلطة التي واجهت واحدة من أهم الثورات الكُردية في القرن العشرين.
لكن هل تنتهي القصة هنا؟
المُفارقة التاريخية تكمن في أنَّ لحظة إعدام الشيخ سعيد پيران نفسها قد تكون نقطة التحول في مسيرة حاجو آغا؛ فبحسب الرواية الواردة في الكتاب، رفض حاجو تنفيذ أمر سحب حبل المشنقة، وغادر المحكمة، ليبدأ بعدها مسار الهروب من سەرخەت (كُردستان تركيا) إلى بنخەت (كُردستان سوريا)؛ هذه اللحظة تُقدَّم بوصفها الانعطاف الحاسم في مسيرَتِهِ: من رجُلٍ في خدمة السلطة العُثمانية-التُركية إلى شخصية تنخرط لاحقًا في المسار القومي التحرُري الكُردي.
من هنا، يصبح السؤال أكثر عمقاً:
هل كان حاجو آغا خائناً، أم رجلاً اضطرته موازين القوة إلى التكيّف قبل أن يُعيد تموضعَهُ إلى جانب قضية شعبه التحرُرية؟
إن اختزال تجربته في حكم أخلاقي واحد يُفقدنا فهم ديناميكيات تلك المرحلة؛ فزُعماء العشائر لم يكونوا يتحركون ضمن فضاء أيديولوجي خالص، بل ضمن معادلة قاسية عنوانها: البقاء، النفوذ، وحماية العشيرة؛ وفي كثير من الأحيان، كان الانتقال بين الولاءات ليس خياراً حُراً بقدر ما هو استجابة لواقعٍ قاهر يفرُض عليهُم رغماً عن إرادَتِهُم.
ومع ذلك، فإن الاعتراف بهذه التعقيدات لا يعني تبرئة كاملة، كما لا يُبرر القفز فوق حقائق تاريخية موثقة؛ بل يُفرض قراءة مزدوجة:
قراءة تُقرّ بمشاركتِهِ ضد ثورة الشيخ سعيد پيران، وقراءة أخرى تضع تحولَهُ اللاحق ضمن سياق إعادة التموضع السياسي والقومي الكُردي.
إنّ فهم شخصية حاجو آغا الهەڤێركي لا يكتمل إلا بالجمع بين هذين البُعدين:
لحظة الاصطفاف مع السلطة، ولحظة الانفصال عنها.
وبين هاتين اللحظتين، يتجسد تاريخ كامل من التردُد، والبراغماتية، والتحول؛ وهو تاريخٌ لا يخص فرداً أو عائلة أو عشيرة فقط، بل يعكُس مأزق مرحلة كاملة في المسيرة التحرُرية الكُردية.
ألمانيا: 22 نيسان 2026
* كاتب وصحفي كُردي