عبدالجبار شاهين
عندما يلتجئ الإنسان إلى دولةٍ ما، يخضع بطبيعة الحال لبرنامج اندماج متكامل يبدأ بتعلّم لغة البلد المضيف، ويمرّ بفهم قوانينه ونظامه السياسي، وحقوقه وواجباته، وينتهي بدخوله سوق العمل بوصفه فرداً وافداً أو لاجئاً.هذا السياق معروف ومفهوم في كل دول العالم.
لكن الإشكالية تبدأ حين يُطرَح مفهوم “الاندماج الديمقراطي” على شعبٍ أصيل في أرضه، ويُقدَّم له وكأنه اكتشاف فكري خارق أو نظرية غير مسبوقة، ثم يُطلب من أتباع هذا الطرح أن يصفقوا له بلا تفكير، وأن يضحّوا بكل شيء في سبيل تطبيقه، على اعتبار أنه فكر “عبقري” يُدرَّس في أرقى جامعات العالم. هنا لا تكمن المشكلة في الطرح نفسه بقدر ما تكمن في عقلية الأتباع الذين يهلّلون في السراء والضراء، ويعطلون عقولهم، ويستبدلون التفكير النقدي بالتصفيق الأعمى، حتى يصدقوا أوهامهم، ثم يصدق صاحب الطرح نفسه أنه جاء بما هو خارق للطبيعة.
إن جوهر فكرة “الاندماج الديمقراطي” كما طُرحت في الدول التي تسيطر على كردستان يقود إلى نتيجة خطيرة: تصوير الشعب الكردي وكأنه شعب لاجئ، لا شعب صاحب أرض. فوفق هذا المنطق، يُطلب من الكردي في تركيا أن يندمج في الدولة التركية ويحترم دستورها وقوانينها دون المطالبة بحقوق قومية، ومن الكردي في سوريا أن يفعل الشيء نفسه مع الدولة السورية، وكذلك الحال في العراق وإيران. والنتيجة النهائية هي نفي أي حق خاص للشعب الكردي، واعتبار الحديث عن تقرير المصير أو إقامة دولة كردستان أمراً غير مشروع، بحجة أن “الدولة القومية” باتت عائقًا أمام التقدم والتطور، ومعضلة بحد ذاتها حسب زعمهم.
هذا الطرح لا يخدم إلا هدفاً واحداً: تفريغ القضية الكردية من مضمونها القومي، وتحويل شعبٍ صاحب قضية تاريخية إلى مجموعات مدمجة قسراً داخل دولٍ أنكرت وجوده لعقود. والأسوأ من ذلك أن هذا النهج ترافق عملياً مع محاربة الأحزاب الكردية القومية، بدءاً من تصفيتها في باكورى كردستان، ثم مهاجمتها في باشورى كردستان واتهامها بالإصلاحية والتقزيم، لأنها طالبت بالحكم الذاتي أو بالحقوق القومية، لا بشعارات كبرى مثل الذي رفعوها في بداية خداعهم للشعب الكردي مثل: شعار تحرير وتوحيد كردستان الذي ثبت لاحقاً أنها كانت وسيلة للتفكيك والتمزيق لا للتحرير.
وعندما تحقق الهدف الأساسي، وهو تمزيق المجتمع الكردي وإضعاف رموزه الجامعة، جرى استهداف علم كردستان نفسه، عبر غسل أدمغة الأتباع وإقناعهم بأن هذا العلم لا يمثل كردستان، بل يمثل شخصاً أو حزباً بعينه. وبدل أن يكون هناك رمز قومي واحد يوحّد الشعب، جرى اختراع أعلام متعددة لكل جزء، في روجافا وشنكال وروجهلات، في محاولة لإحلالها محل علم كردستان الجامع. وهكذا قُدِّمت خدمة مجانية لأعداء الكرد، عبر تكريس التجزئة وتفتيت المجزأ، وإبعاد الشعب الكردي عن كل ما يرمز إلى وحدته وهويته القومية.
من هنا يصبح العداء لعلم كردستان ليس مسألة شكلية، بل موقفاً سياسياً خطيراً يضرب جوهر القضية الكردية. وهو دليل واضح على أن هذا النهج لا يقود إلى التحرر، بل إلى مزيد من الضياع والخراب .
لقد آن الأوان للأتباع أن يفيقوا من هذه الغفلة، وأن يتخلوا عن الأيديولوجيا الذي يعطل العقول ويشوّه البصيرة. آن الأوان أن يقولوا: كفى خداعاً، كفى تضحيات عبثية، كفى تحويل شعبنا إلى “لاجئين” في وطنهم. لا يجوز أن نستمر في تقديم أبنائنا قرابين لأفكار تُفرغ قضيتنا من مضمونها، وتطلب منا الاندماج بدل التحرر، والتنازل بدل تقرير المصير.
إن إنقاذ الشعب الكردي من هذا التمزيق يبدأ باستعادة الوعي، واحترام العقل، والتمسك بالهوية القومية، وبالحق الطبيعي في الأرض والحرية، بعيداً عن الشعارات التي تُلمَّع بالكلمات الكبيرة، بينما نتائجها على الأرض لا تخدم إلا أعداء كردستان.
إن أخطر ما يواجه شعبنا اليوم ليس قوة أعدائه فقط، بل استمرار الخداع باسم الفكر، والصمت باسم الحكمة، والتنازل باسم الواقعية. فالأمم لا تُمحى بالسلاح وحده، بل حين تُقنع بالتخلي عن حقها، وحين تُدرَّب على تقبّل الذوبان كأنه خلاص.
من هنا، فإن المعركة الحقيقية تبدأ من الوعي، من كسر الأصنام الفكرية، ومن رفض أي مشروع يطلب منا أن نكون أقل مما نحن عليه. لا اندماج على حساب الهوية، ولا ديمقراطية تُبنى على نفي الحق القومي، ولا حرية بلا أرض ولا كرامة.
كفى تحويل شعبنا إلى لاجئ في وطنه،
كفى المتاجرة بدماء وتضحيات أبنائنا،
كفى خداعاً باسم الشعارات الكبيرة المشبوهة .
فرنسا