شادي حاجي
حين يحتدم الخلاف داخل أي حزب أو تنظيم سياسي، يميل البعض إلى التعامل معه بوصفه أزمة طارئة ينبغي احتواؤها سريعاً، بينما يغفل آخرون أن الخلاف في حد ذاته ليس ظاهرة سلبية بالمطلق، بل يمكن أن يكون مؤشراً على حيوية التنظيم وتعدد وجهات النظر داخله. غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود الخلاف، بل في طريقة إدارته وحسمه: هل يتم ذلك وفق الأطر المؤسسية والنظام الداخلي، أم عبر الأهواء والتوازنات الشخصية ومنطق الأمر الواقع؟
إن النظام الداخلي لأي حزب ليس مجرد وثيقة تنظيمية شكلية، بل هو بمثابة “الدستور المصغّر” الذي يحدد قواعد العمل السياسي والتنظيمي: من يملك حق القرار؟ كيف تُتخذ القرارات؟ وما حدود الصلاحيات والمسؤوليات داخل البنية الحزبية؟ غير أن القيمة الحقيقية لهذا النظام لا تتجلى في صياغته فقط، بل في مدى احترامه وتطبيقه على أرض الواقع. فوجود النظام الداخلي يُعدّ أساساً ضرورياً لتنظيم العمل وتحديد الصلاحيات والحقوق والواجبات، لكن الالتزام به هو ما يمنحه الحياة والفعالية، ويحول دون تحوله إلى مجرد نصوص جامدة لا أثر لها.
وفي هذا السياق، لا تبدو الإشكالية نظرية أو بعيدة عن الواقع، بل هي حاضرة في تجارب عدد من الأحزاب السياسية، ومنها الأحزاب الكردية في سوريا، حيث تتكرر أسئلة جوهرية حول آليات إدارة الخلاف وشرعية المواقع القيادية وحدود الصلاحيات داخل البنية التنظيمية. ويكشف ذلك عن إشكال أعمق يتمثل في طبيعة الحسم داخل التنظيم: هل يتم عبر المؤسسات واللوائح، أم عبر موازين القوى الداخلية والتجاذبات الشخصية؟
ولعل ما يحدث داخل العديد من الأحزاب والتنظيمات الكردية في سوريا يقدم مثالاً واضحاً على هذه الإشكالية، حيث تتداخل الخلافات الشخصية مع العمل السياسي والتنظيمي، فتطغى المصالح الفردية أحياناً على الاعتبارات المؤسسية. ويُلاحظ كذلك تضخم عدد الأحزاب بشكل لافت، إذ يُقال إن عددها يناهز المئة حزب، وهو ما يعكس حالة من التشظي والتنافس غير المنضبط، ويؤثر سلباً على فعالية العمل السياسي وعلى القضية ذاتها.
عندما ينشب خلاف داخلي، فإن أول اختبار حقيقي لمؤسسية التنظيم هو العودة إلى القواعد المتفق عليها مسبقاً. فبدلاً من اللجوء إلى حلول استثنائية أو فرض أمر واقع، ينبغي تفعيل المسارات التنظيمية الطبيعية: مناقشة الخلاف داخل الهيئات الحزبية المختصة، والاحتكام إلى آليات التصويت عند الحاجة، واحترام النتائج باعتبارها تعبيراً عن الإرادة الجماعية، لا انتصاراً لطرف على آخر.
ومن هنا تبرز أهمية المحطات التنظيمية الدورية، مثل المؤتمرات العامة والمجالس القيادية، التي لا ينبغي التعامل معها كإجراءات شكلية، بل كأدوات أساسية لإعادة إنتاج الشرعية وتجديدها. فالمؤتمر العام، حين يُعقد بانتظام ووفق المدد المحددة، يشكل الإطار الأوسع لتقييم التجربة وتحديد المسارات المستقبلية، بينما تتيح المجالس الوسيطة متابعة التنفيذ ومساءلة القيادة بشكل مستمر. إن تعطيل هذه الآليات أو تأجيلها دون مبررات واضحة يؤدي غالباً إلى تراكم الاحتقان وتحول الخلافات إلى أزمات بنيوية.
ولا تقل أهمية عن ذلك مسألة المحاسبة، باعتبارها صمام أمان أي تنظيم سياسي. فحين تغيب المساءلة، تتضخم الأخطاء وتُعاد صياغتها بوصفها اجتهادات، بينما يتحول الخلاف من نقاش سياسي إلى صراع على النفوذ. أما في ظل وجود آليات واضحة للمساءلة والتقارير الدورية والشفافية، فإن الخلاف يبقى ضمن إطاره الطبيعي كاختلاف في التقدير لا كاتهام أو إقصاء.
إلى جانب ذلك، تأتي المراجعة الدورية كأداة ضرورية لفهم جذور الخلافات وليس فقط احتوائها. فبدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمات عند وقوعها، يصبح من المهم طرح أسئلة أعمق: هل كانت القرارات السابقة مبنية على تقديرات صحيحة؟ هل الأهداف واقعية وقابلة للتنفيذ؟ وهل تعاني آليات العمل من خلل بنيوي؟ إن تحويل الأخطاء إلى دروس مستفادة هو ما يعزز نضج التنظيم ويمنع تكرارها.
إن إدارة الخلاف الداخلي لا تعني إلغاءه، بل تنظيمه ضمن أطر واضحة تضمن استمرارية العمل السياسي. فالتنظيم القوي ليس ذاك الذي يخلو من الخلافات، بل الذي يمتلك القدرة على استيعابها وإدارتها بوسائل مؤسساتية تحافظ على وحدة التنظيم دون مصادرة حق الاختلاف.
وفي المحصلة، يقف أي حزب أو تنظيم سياسي عند مفترق حاسم في كل أزمة داخلية: إما أن يحتكم إلى نظامه الداخلي فيرسخ ثقافة مؤسسية ويعزز الثقة بين أعضائه، أو أن يتجاوزه لصالح منطق القوة والتجاذبات، فيفتح الباب أمام التآكل التدريجي للشرعية التنظيمية. وبين هذين الخيارين يتحدد مستقبل التنظيم، لا فقط شكل الخلاف القائم.
فالمؤسسات لا تُقاس بوجودها الشكلي، بل بقدرتها على ضبط الخلاف حين يتجاوز حدود التوافق، وتحويله من عامل تهديد إلى فرصة لإعادة التوازن والتجديد… وإلى مستقبل أكثر استقراراً ونضجاً.