مِقوَدُ الزمنِ في أيدي المُرائين.. فكيف يُبنى الوطن؟!

خالد جميل محمد
ضَوْضَاءُ التهريج والنفاقِ والفوضى والقُبْحِ، ومظاهرُ التُّرَّهات والفجور والفَساد الأخلاقيِّ والثقافيِّ، والأدبيِّ، والتربوي والتعليمي، والسياسيِّ، والإعلاميِّ، والفنّيّ، واللغويِّ، وظواهرُ الدَّعارةِ المكشوفة، أو المُبَطَّنة بمسميّات ساميةٍ لافتةٍ وجذّابةٍ، أو المخبَّأة خَلْفَ الأبوابِ المغلَقة، تَسْنُدها شعاراتُ الكذِبِ والمَكْرِ والمُزايَدات المفضوحة، في مختلف المجالاتِ والعلاقاتِ..
تلك الضوضاءُ وتلك المظاهرُ والظواهرُ، بوجود مَن يصنعُها، ومَن يُنتجها، ووجود سَدَنةٍ يُنافِحون عنها ويتاجرون بها، ووجودِ مَن يتحلّى بها، ومَن يروِّج لها بلا خَجَلٍ، ومَنْ يُخدَعون ببريق زَيْفِها، ومَنْ يَسترزِقون منها ويَستفيدون، ويعتمدون عليها ويتوكَّلون، كُلُّها، بجميع تفاصيلها، تحاصرُنا بلا رأفةٍ، بلا رحمةٍ، بلا شَفَقَة، بلا غُفرانٍ، بلا صَفحٍ عن (ذَنْبِ) بَراءتنا من شوائبها، وتلاحقُنا في الوطن والمَنْفى والأحلام والمعيشة.
لقد ثبُتَ على نَحوٍ لا ريبَ فيه، أن هذا الزمنَ فاسدٌ يَنسِف أجملَ قِيَمِ النُّبْل الإنسانيِّ الحقيقيّ، قِيَمِ الصِّدْقِ مع الذاتِ والآخَرين، قِيَمِ الوفاءِ والعدالةِ والوجدانِ والضمير، قيَمِ الإبداعِ الحقيقيِّ في المجالاتِ جميعِها، فيُقدِّم المنافقَ المحتالَ على الأمينِ الوفيِّ، ويفضِّلُ الأحمقَ على العاقلِ الحكيم الرَّزينِ، ويُعْلِي شأنَ المهرِّجِ الصاخبِ على حساب الهادئ الأبيِّ عزيزِ النَّفْس، ويُسْنِد قرارَ تقييم الناجحِ إلى الفاشل المدعومِ، ويسلِّم الجاهلَ مفتاحَ توظيفِ الكُفء، ويُوقِفُ تقييمَ النَّزِيهِ على تقدير الماكِر الماجنِ الفاسقِ..
فلا يَتوهَّمَنَّ أيُّ صادقٍ كريمٍ أصيلٍ أنَّه قد يَبْلُغ مكاناً يليق به، في ظلِّ هذا الرُّكام الهائل من الرِّياء السائدِ راهناً، ولا يَنْخَدِعَنَّ الفَطِنُ الجَليلُ الشَّهْمُ النّقيُّ بما يرى من لَمَعانٍ ينبعث من شوائب النُّفايات، ولا يَتَخِذَنَّها لنفسه مقصداً ومَذْهباً، لكنْ، مع الأسف، مِقْوَدُ الزمنِ في أيدي المُرائين، والمُراؤون أشِدّاءُ مدعومون، مُكرَمون، مُقَدَّمون ومُقَدَّرون، والصادقون الأنقياءُ ضحايا منبوذون، مُبْعَدون، مَنْهُورون، مَزْجُورون، ومُدانونَ.. فبهذه الحال من الخراب، كيف يُبنى الوطن وكيف يُبنى المجتمع وكيف يبنى الإنسان؟!
10 نيسان 2026

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كدو في مئوية مدينة قامشلي، سوريا المصغّرة، التي جمعت، ولا تزال، الكرد والعرب والسريان الآشوريين الكلدان والأرمن، مسلمين ومسيحيين وإيزيديين، وكان اليهود جزءاً من نسيجها المجتمعي سابقاً، هذه المدينة التي يعتبرها الكرد عاصمتهم السياسية.، نعتذر إلى شهدائنا وجميع ضحايانا، وإلى عائلاتهم جميعاً، بدءاً، بحسب التسلسل الزمني للاستشهاد والاختطاف والتغييب، وبحسب ما أتذكر، من شهيد نوروز سليمان آدي، وشهداء انتفاضة…

فيصل اسماعيل اسماعيل مرور مئة عام على تأسيس قامشلو ليس مجرد مناسبة للاحتفال واستعادة الذكريات، بل محطة تاريخية تستحق وقفة جادة أمام ماضي المدينة وحاضرها ومستقبلها. فالسؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا كانت قامشلو خلال مئة عام؟ بل: ماذا نريدها أن تكون خلال المئة عام القادمة؟ نشأت قامشلو وتطورت على أرضٍ شكل التنوع أحد أهم ملامحها؛ كرداً وسرياناً وآشوريين وأرمن وعرباً…

اكرم محمد تُعد دراسة أسماء المواقع والجغرافيا في منطقة الجزيرة الفراتية العليا مفتاحاً أساسياً وفكرياً لفهم هوية الأرض وسكانها الأصليين والامتداد العشائري والبيئي المرتبط بها عبر العصور. ومن أبرز الحواضر التي دار حول اسمها نقاش وجدل واسع في الأوساط الثقافية والإدارية مدينة القامشلي، المعروفة شعبياً وفي الوجدان الجمعي باسم قامشلو. ويرى البعض، بظاهر العبارة وسجلاتها الحديثة، أن الاسم تركي المنشأ،…

أ. د. سربست نبي بعد مئة عام من إعدام حسن خيري بك (حسن خيري جانكوزاده) علينا أن نفكر بتقديم الاعتذار لهذا السئ الحظ المتواضع، الذي لم يخطر بباله قط، وحبل المشنقة يلف حول عنقه، بأنه لن يكون آخر وأكبر الخونة في التاريخ الكردي، وبأن خيانته ستبدو تافهة وصغيرة، تستحق العفو والنسيان، قياساً للخيانة التي سترتكب بعد مئة عام من شنقه…..