المفاوضات خدمت وتخدم النظام الإيراني

نظام مير محمدي *

 

لا يمکن التصور بأن الشروط السبعة التي وضعها مجتبى خامنئي ردًا على المقترح الأمريکي والتي إعتبرها النظام وعلى لسان رئيس لجنة الشؤون الداخلية في البرلمان الإيراني، محمد صالح جوكار، تمثل “خطا أحمر” في أي مفاوضات محتملة مع الولايات المتحدة، لکن وفي الحقيقة فإن هذه الشروط السبعة لا تختلف بشئ من الشروط ال19 التي وضعها قبله علي خامنئي في الأيام الأخيرة من المفاوضات التي أعقبت إعلان الاتفاق النووي للعام 2015، کخطوط حمراء من أجل الموافقة على الاتفاق.

وکما إن النظام الإيراني مغرم بإثارة الحروب والأزمات ويقوم بإستخدامها من أجل تحقيق أهدافه، فإنه مولع أيضًا بالمفاوضات وهي بالنسبة له کالحروب التي يثيرها، لأنها حققت طوال الأعوام الماضية أهدافه، ولأن دونالد ترامب يختلف عن أسلافه بکونه أکثر حزمًا في التعامل معه، فإنه يسعى من أجل إبداء تصلب غير مسبوق وذلك من أجل جعل هذا التصلب أساساً ومحورا للمناورة والمراوغة في تليين الموقف الأمريکي وجعله أکثر قربا مما يريده ويسعى إليه.

ولو قمنا بعملية مراجعة لمعظم جلسات التفاوض مع النظام الإيراني بخصوص برنامجه النووي بدءا من العام 2003 وحتى إتفاق 2015، لوجدناه المستفيد الأکبر منها بل وحتى إنها قد خدمته کثيرًا وساهمت في منحه المزيد من أسباب القوة وبسط الهيمنة والنفوذ في المنطقة والتمادي في ممارساته القمعية بحق الشعب الإيراني، وهذا يعود أساساً إلى إنه يسعى من أجل جعل السياق العام للمفاوضات الدولية في خدمته وخدمة مخططاته وسياساته وهو لا يعطي بقدر ما يأخذ وحتى إن الذي يعطيه يقوم بإسترجاعه بطرق وأساليب يتمرس فيها.

يعلم قادة النظام الإيراني مدى خطورة وحساسية الأوضاع المختلفة التي يقفون أمامها، ويعلمون بأن الخطر الداهم الذي ينتظرهم يتفاقم أکثر لأن هذه الأوضاع تعمل وبصورة واضحة على مضاعفة الغضب الشعبي من النظام والعزم والاصرار على إسقاطه کما إنها تحفز وتوسع من دائرة نشاطات وحدات المقاومة وحتى إنها تدفع الشباب الإيراني للإنضمام إلى هذه الوحدات من أجل إستعادة بلدهم من براثن الدکتاتورية الدينية، ولذلك فإنهم يعلمون جيدًا بأن خروجهم من المفاوضات بدون مکاسب ملموسة يعني إنهم يصبحون في فوهة مدفع الغضب الشعبي.

ولا يوجد شك بأن البلدان الغربية ولاسيما الولايات المتحدة، قد صارت تعرف جيدًا النوايا الخفية المشبوهة للنظام الإيراني من وراء جلوسه على طاولة التفاوض وعزمه على عدم تلبية المطالب الدولية وإنما المناورة والمراوغة لإجهاد الطرف المقابل، غير إن الذي يلفت النظر أکثر إن الولايات المتحدة والبلدان الغربية لازالت لا تدرك بأن جلسات التفاوض والتواصل مع هذا النظام کحروبه التي يثيرها أو يتعرض لها، إذ أنها توفر له مساحة للبقاء أکثر ولاسيما إنه يعلم جيدًا بأنالحروب أو المفاوضات لن تسقطه بل وحتى تمنحه نوعًا من الشرعية للبقاء، وهذا ما قد أدرکته السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة من جانب المقاومة الإيرانية عندما أکدت بأن الحروب والتواصل مع النظام الإيراني لن تسقطه وإنما الشعب من سيسقطه وهذه هي الحقيقة الاسطع أمام العالم لکي يغيروا من تعاملهم مع هذا النظام ويعوا بأن شعبه والمقاومة المنظمة هم من سيتکفلون به.

وفي هذا السياق، يستعد الإيرانيون من أنصار المقاومة الإيرانية لتنظيم تظاهرة عارمة يوم السبت الموافق 20 حزيران (يونيو) من العام الجاري. وإن أحد المطالب الرئيسية للمتظاهرين، والتي وردت في بيان اللجنة المنظمة، هو ضرورة وضع حد لسياسة المماشاة والاسترضاء تجاه نظام ولاية الفقيه، والاعتراف بالبديل الديمقراطي للشعب الإيراني، المتمثل في ‘المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية’. ومن شأن هذه الخطوة أن تخلص المنطقة، بل والعالم أجمع، من شرور نظام توسعي يصنع الأزمات، مما يمهد الطريق لإرساء أسس السلام والأمن والاستقرار على الصعيدين الإقليمي والدولي.

* كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د . مرشد اليوسف تُعد زيارة الرئيس البرزاني إلى دمشق من أهم المحطات السياسية في المرحلة السورية الراهنة، لأنها تأتي في مرحلة تتقاطع فيها قضايا بناء الدولة السورية، ومستقبل محافظة الحسكة والعلاقات الإقليمية، مع ملف القضية الكردية بوصفها إحدى أكثر القضايا تعقيدًا منذ تأسيس الدولة السورية الحديثة. ولا تنبع أهمية الزيارة من شخصية البرزاني فحسب، بل من كونها تأتي…

صديق شرنخي المانيا / بوخم ليست كل الزيارات السياسية متشابهة؛ فبعضها يندرج في إطار البروتوكول الدبلوماسي، وبعضها الآخر يتحول إلى محطة مفصلية تعكس تحولات أعمق من مجرد لقاءات رسمية. ومن هذا النوع تأتي زيارة رئيس إقليم كردستان، نيجيرفان بارزاني، إلى العاصمة السورية دمشق، فهي ليست مجرد زيارة بين مسؤولين، بل يمكن قراءتها بوصفها أحد مؤشرات المرحلة الجديدة التي…

حسن قاسم أعتذر إلى محمود درويش، لا لأن قصيدته “سجّل أنا عربي” تفتقر إلى الجمال، فهي من روائع الشعر العربي الحديث، بل لأنني أختلف مع القراءة التاريخية التي قد توحي بها لدى البعض، حين تبدو العروبة وكأنها هوية أصيلة ومتجانسة لمعظم شعوب المنطقة منذ فجر التاريخ. في تقديري، لا ينبغي أن يتحول الشعر إلى مرجع للتاريخ، لأن التاريخ أكثر تعقيدًا…

محمود أوسو تشكل القضية الكردية واحدة من أكبر المفارقات في السياسة العربية المعاصرة. فمنطقياً، ووفقاً لمعادلة عدو عدوي صديقي، كان ينبغي أن يكون الكرد حلفاء طبيعيين للأنظمة العربية في مواجهة التمدد الإيراني في العراق وسوريا ولبنان. الواقع يؤكد ذلك: القوات الكردية كانت الحاجز البشري الذي أوقف مشروع الهلال الشيعي عند نهر الفرات، وهي القوة التي فككت بنية داعش عسكرياً…