شــــريف علي
في السياسة كما في الاجتماع البشري عمومًا، لا توجد معادلة أكثر هشاشة من تلك التي تقوم على “اتفاق الفاسدين”. هذا النمط من التفاهمات، الذي يُبنى على تقاسم الغنائم بدل تقاسم المسؤوليات، يحمل في داخله بذور فنائه منذ لحظة ولادته. إذ لا يمكن لمنطق النهب أن يتحول إلى منظومة حكم مستقرة، ولا يمكن لتحالفات المصالح الضيقة أن تصمد أمام اختبار الزمن.
الفكرة الجوهرية هنا أن الشخص الفاسد لا يثق بالفاسد مثله. كل طرف في هذا الاتفاق ينظر إلى الآخر بوصفه منافسًا مؤقتًا لا شريكًا دائمًا، ما يجعل العلاقة قائمة على الحذر والتربص بدل الثقة والتكامل. لذلك، سرعان ما تتحول هذه التحالفات إلى ساحات صراع داخلي، حيث يبدأ كل طرف بمحاولة الاستحواذ على الحصة الأكبر أو إقصاء شركائه عند أول فرصة سانحة.
التاريخ السياسي مليء بتجارب تؤكد أن التحالفات القائمة على المصالح الضيقة لا تعمّر طويلًا. ففي العديد من الأنظمة التي نشأت عبر تفاهمات انتهازية بين قوى فاسدة، انتهى الأمر بانقلابات داخلية أو تصفيات سياسية. وفي تجارب متعددة في بلدان العالم الثالث، شهدت الشرائح الحاكمة – إن كانت زمرًا عسكرية أو واجهات حزبية لتلك الزمر – والتي تأسست على المحاصصة، تفككًا سريعًا، حيث تحولت القيادات إلى مراكز قوى متنافسة، وانتهى الأمر بانهيار البنية الحاكمة بأيدي مؤسسيها أو تفريغها من المضمون.
أما على صعيد التنظيمات السياسية، فالصورة أكثر وضوحًا. وعلى الرغم من ذلك، لا يمكن القول إن كل تنظيم يولد فاسدًا أو أن بنيته محكومة بالانهيار منذ البداية. فالتنظيمات – كأي كيان بشري – تحمل في داخلها إمكانات متعددة، وقد تكون منطلقًا لمشاريع إصلاحية أو نهضوية حقيقية. غير أن الخطر يبدأ حين تنجح فئة محدودة، ذات مصالح ضيقة أو نزعات انتهازية، في التسلل إلى مواقع القرار. عند هذه اللحظة يبدأ التحول البنيوي: إذ لا ينهار التنظيم لأن مبادئه كانت فاسدة، بل لأن الفئة التي أمسكت بمفاصله عطّلت آليات الرقابة، واحتكرت القرار، وفرضت منطقها الخاص على المجموع. وهكذا يتحول الانحراف الفردي إلى ثقافة، ثم إلى نمط إدارة، قبل أن يصبح قدرًا يجرّ التنظيم نحو التآكل والانهيار.
فالتنظيم الذي يسمح بتسلل ذوي النفوس الضعيفة إلى مراكز القرار، ويتغاضى عن الفساد تحت ذريعة “الوحدة” أو “ضرورات المرحلة”، إنما يؤسس لانهياره. تبدأ الظاهرة عادة بتبرير الانحرافات الصغيرة، وتتدرج شيئًا فشيئًا لتتحول إلى ثقافة عامة: شراء الولاءات، تهميش الكفاءات، وصعود الشخصيات الانتهازية التي تتقن فن التملق لا فن القيادة.
ومع مرور الوقت، يفقد التنظيم بوصلته الفكرية ويتحوّل من مشروع سياسي إلى شبكة مصالح متشابكة. عند هذه المرحلة لا يعود الخلاف حول البرامج أو الرؤى، بل حول النفوذ والامتيازات، فتتفجر الصراعات الداخلية وتظهر الانشقاقات، ويتراجع حضور التنظيم في الشارع مع تآكل بنيته التنظيمية وفقدانه ثقة قواعده.
وتقدم التجارب السياسية المعاصرة نماذج صارخة. كثير من الحركات التي بدأت بشعارات كبرى – التحرر، العدالة، أو الهوية – انتهت إلى كيانات مترهلة بسبب تغلغل الفساد فيها. القيادات التي جاءت بدافع النضال تحولت، في ظل غياب الرقابة والمساءلة، إلى نخب مغلقة تدافع عن امتيازاتها. ومع أول اختبار حقيقي، انهارت هذه البنى لأنها كانت تفتقر إلى الأساس الأخلاقي والتنظيمي الصلب.
وتزداد خطورة الفساد حين يتسلل إلى التنظيمات الكبيرة ذات القاعدة الجماهيرية الواسعة. فهذه الكيانات، بحكم حجمها وتشعب هياكلها، تكون أكثر عرضة للاختراق من قبل الفاسدين الذين يجدون فيها بيئة آمنة نسبيًا. فالمعارضون فكريًا أو أصحاب الرؤى الإصلاحية يشكلون تهديدًا مباشرًا للانحرافات، بينما الفاسدون يبدون – على نحوٍ متناقض – أقل خطرًا على القيادة، لأنهم لا ينازعونها في الأفكار بل في الامتيازات. وهكذا يصبح الفاسدون أكثر قدرة على التغلغل، وأكثر تأثيرًا على البنية الداخلية للتنظيم، ما يسرّع عملية الانهيار ويعمّق أثره.
الخلاصة أن “اتفاق لصوص السياسة” ليس مجرد توصيف أخلاقي، بل هو قانون سياسي شبه حتمي: أي منظومة تقوم على الفساد والمحاصصة والانتهازية محكوم عليها بالسقوط، فالفساد لا ينتج استقرارًا، بل يدخر فوضى ويؤجل الانفجار. وعندما يتبوأ ضعاف النفوس مواقع القرار، فإنهم لا يقودون التنظيم للتحديث والبناء، بل يقودونه نحو نهايته المحتومة… السقوط.
وفي النهاية، لا ينهار الفاسدون لأن خصومهم أقوى، بل لأنهم عاجزون عن بناء بيتٍ يقف على أعمدة هشة قوامها الطمع والشك. فالتنظيم الذي يسمح للفساد بأن يصبح لغته الداخلية ومحصنًا إداريًا، سيجد نفسه عاجلًا أم آجلًا ينهار تحت وزن ما صنعته يداه.
======= 6 نيسان 2026 =======