عدنان بدرالدين
إذا كانت الحلقة الأولى قد بيّنت كيف تبدأ فرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة» بين نقد ماركس لبراءة الديمقراطية الشكلية ودفاع آرندت عن السياسة بوصفها فعلًا لا يجوز اختزاله في الإدارة، وإذا كانت الحلقة الثانية قد أضافت، مع فيبر ونيتشه، عنصرين حاسمين هما الوعي بأن السياسة بلا ضمانات، والشك في أن الحياد لغة بريئة حقًا، فإن هذه الحلقة الثالثة تصل إلى المحطة الأقرب مباشرة إلى قلب الفرضية نفسها: ويندي براون.
تكمن أهمية براون في أنها لا تتعامل مع النيوليبرالية بوصفها مجرد سياسة اقتصادية أو حزمة من الإجراءات المتعلقة بالخصخصة أو السوق أو خفض الإنفاق العام، بل بوصفها عقلانية حكم تعيد تشكيل معنى الدولة، والمواطن، والديمقراطية، والفضاء العام. ومن هنا، لا تصبح النيوليبرالية مجرد خلفية اقتصادية تؤثر في السياسة من الخارج، بل منطقًا عامًا يعيد صياغة السياسة نفسها من الداخل.
النيوليبرالية ليست اقتصادًا فقط
هذا هو الدرس الأول الذي تقدمه ويندي براون، وهو درس حاسم بالنسبة إلى مشروع «ديمقراطية الضرورة المُدارة». فالنيوليبرالية، في نظرها، لا تعني فقط تغليب السوق أو تحرير التجارة أو تقليص دور الدولة الاجتماعي، بل تعني شيئًا أعمق: أن منطق السوق يتحول إلى لغة عامة يعاد عبرها فهم مجالات الحياة كلها. فالمنافسة والكفاءة والاستثمار والعائد والمخاطرة لا تبقى مفاهيم اقتصادية محصورة في مجال بعينه، بل تتحول إلى أدوات لإعادة تعريف التعليم والصحة والجامعة والدولة والحقوق والإنسان نفسه.
وبذلك، لا تُدار المجتمعات الحديثة فقط بسياسات نيوليبرالية، بل تعيد قراءة نفسها من داخل منطق نيوليبرالي، حيث يُصبح كل شيء قابلًا للتقييم بحسب الإنتاجية والاستدامة والجدوى والمنافسة والقيمة السوقية. ومن هنا تبدأ براون من نقطة تختلف عن كثير من النقد التقليدي للرأسمالية أو الليبرالية: فهي لا تكتفي بالقول إن السوق توسّع، بل تقول إن منطقه صار يعيد تشكيل الوعي السياسي نفسه.
من المواطن إلى رأس المال البشري
أحد أكثر مفاهيم ويندي براون أهمية هو أن النيوليبرالية تعيد تعريف الإنسان لا بوصفه مواطنًا، بل بوصفه رأس مال بشريًا. وهذه نقطة شديدة الأهمية، لأنها تمس صميم ما حاولت السلسلة معالجته في حديثها عن الإنسان المعزول سياسيًا.
في التصور الديمقراطي الحديث، حتى في أشكاله المحدودة، يُفهم الإنسان بوصفه مواطنًا، أي عضوًا في جماعة سياسية، وصاحب حقوق، ومشاركًا محتملًا في تقرير الشأن العام. أما في العقلانية النيوليبرالية، فيُعاد تعريف الفرد بوصفه مشروعًا ذاتيًا وأصلًا بشريًا ووحدة استثمار، أي ذاتًا مطالبة بإدارة نفسها، وتحسين موقعها التنافسي، وتحمل مسؤولية نجاحها أو فشلها داخل عالم يُعرض عليها بوصفه معطًى لا بوصفه موضوعًا للنزاع.
وهكذا، لا يعود الفرد يُخاطَب بوصفه جزءًا من شعب سياسي، بل بوصفه مقاولًا لذاته. إنه لا يُطلب منه أن يشارك في صياغة العالم المشترك، بل أن يُحسن إدارة نفسه داخل عالم يُقال له ضمنًا إن قواعده الكبرى قد حُسمت سلفًا.
وهنا تلتقي براون مباشرة مع الفرضية التي اشتغلت عليها حلقات «ديمقراطية الضرورة المُدارة». فالفرد في هذا العالم لا يخرج من المجتمع، ولا يصبح معزولًا اجتماعيًا بالضرورة، لكنه يفقد تدريجيًا القدرة على تخيل نفسه فاعلًا سياسيًا، ويُعاد تعريفه من خلال النجاح والمرونة والقدرة على التكيّف وتحمل المخاطر.
ما المقصود بـ«الديموس»؟
لفهم براون على نحو أدق، لا بد من التوقف عند مفهوم الديموس. والكلمة في أصلها اليوناني تشير إلى الشعب بوصفه ذاتًا سياسية، لا مجرد مجموع سكاني أو تجمع أفراد يعيشون داخل إقليم واحد. فالديموس ليس هو السكان بالمعنى الإحصائي، ولا الجمهور بالمعنى السلبي، بل الشعب حين يكون قادرًا على أن يفهم نفسه فاعلًا جماعيًا، وأن يرى في نفسه مصدرًا للقرار العمومي أو طرفًا مشروعًا في تشكيله.
بهذا المعنى، فإن الحديث عن الديموس لا يتعلق فقط بوجود ناخبين أو مؤسسات تمثيلية، بل بوجود جماعة سياسية تستطيع أن تعتبر نفسها معنية بالمصير المشترك، وقادرة، نظريًا وعمليًا، على التأثير في القضايا العامة بوصفها قضايا سياسية لا مجرد قضايا تقنية أو إدارية.
وحين تستخدم ويندي براون هذا المفهوم، فهي تريد القول إن الديمقراطية لا تقوم فقط على إجراءات مثل الانتخابات أو تداول السلطة، بل تحتاج أيضًا إلى وجود هذا البعد الجماعي السياسي الذي يجعل من الشعب أكثر من مجرد أفراد منفصلين أو كتل انتخابية عابرة.
ما معنى «تفكيك الديموس»؟
حين تتحدث براون عن تفكيك الديموس، فهي لا تعني أن الشعب يختفي حرفيًا، ولا أن المجتمع يتلاشى، بل تعني أن هذا المعنى السياسي الجماعي للشعب يتآكل تدريجيًا. أي أن الناس يظلون موجودين، وتظل المؤسسات قائمة، وقد تستمر الانتخابات أيضًا، لكن ما يضعف هو قدرة الناس على أن يفهموا أنفسهم بوصفهم ذاتًا سياسية مشتركة.
يحدث هذا التفكيك حين يُعاد تشكيل الأفراد بوصفهم وحدات متنافسة، ويُعاد تعريف علاقتهم بالعالم من خلال الاستثمار الذاتي وإدارة المخاطر وتحسين الموقع الفردي. في مثل هذا السياق، لا يختفي الناس من الفضاء الاجتماعي، لكنهم يفقدون تدريجيًا الرابط الذي يحوّلهم إلى ديموس، أي إلى جماعة سياسية ترى في نفسها طرفًا في تقرير المصير الجماعي.
ومن هنا، فإن تفكيك الديموس لا يعني فقط ضعف المشاركة أو فتور الاهتمام بالشأن العام، بل يعني تحولًا أعمق في صورة الإنسان والمجتمع والسياسة. ذلك أن الشعب لا يتفكك فقط حين يُقمع، بل أيضًا حين يُعاد تعريفه من الداخل بحيث يصبح أقرب إلى مجموع أفراد يدير كل منهم نفسه، لا إلى جماعة سياسية تنظر إلى العالم المشترك بوصفه مجالًا للنزاع والقرار.
كيف تُفرَّغ الديمقراطية من داخلها؟
تكمن قوة ويندي براون في أنها تُظهر أن الديمقراطية لا تُلغى بالضرورة من الخارج، ولا تنهار فقط حين تُقمع مؤسساتها أو تُعطل إجراءاتها، بل قد تستمر بعد أن يُعاد تشكيلها من الداخل. وهنا تصل براون إلى واحدة من أهم أفكارها: النيوليبرالية لا تقتل الديمقراطية فقط، بل تُفرغها.
يحدث ذلك حين يُعاد تعريف المواطن بوصفه رأس مال بشريًا، وتُعاد صياغة الدولة بوصفها مديرًا لشروط السوق، وتُقاس السياسات بمعايير الكفاءة والاستدامة والتنافسية، ويُختزل المجال العام في وظيفة إدارية، وتُفهم الحرية بوصفها قدرة على تحسين الموقع الفردي، لا المشاركة في تقرير المصير الجماعي.
في هذه اللحظة، قد تبقى الانتخابات قائمة، وتبقى البرلمانات قائمة، وتبقى اللغة الديمقراطية قائمة، لكن الروح السياسية التي كانت تمنح هذه الأشكال معناها تكون قد تآكلت. فالشعب لم يعد يُفهم بوصفه ذاتًا سياسية جماعية، بل بوصفه تجمّعًا من أفراد متنافسين، يدير كل منهم نفسه، ويحسب خسائره ومكاسبه، ويتكيف مع ما يُقال له إنه الواقع.
وهذا هو المعنى العميق لما تسميه براون تفكيك الديموس من الداخل.
لماذا تُعد براون الأقرب إلى هذه الفرضية؟
من بين الأسماء الخمسة التي عولجت في هذه السلسلة التكميلية، تبدو ويندي براون الأقرب إلى فرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة» لسبب بسيط: لأنها ترى، مثل هذه الفرضية، أن النيوليبرالية ليست مجرد اقتصاد، بل عقلانية تعيد تشكيل الديمقراطية ذاتها.
فهي، مثل هذه الفرضية، لا تفسر الأزمة فقط من خلال المؤسسات، ولا تفهم الدولة بوصفها منسحبة ببساطة، ولا تنظر إلى المواطن كذات ثابتة، بل ترى أن الدولة والمواطن والسياسة والديمقراطية نفسها تتغير في منطقها الداخلي. ولهذا فإن براون تقدّم أقرب نقطة تماس مع قلب المشروع: الديمقراطية لا تُلغى فقط، بل تُعاد صياغتها بلغة السوق.
لكن، مع ذلك، لا يتطابق هذا المشروع معها تمامًا. بل إن قربها هو ما يسمح أيضًا بإبراز ما يضيفه مفهوم «ديمقراطية الضرورة المُدارة» فوق تشخيصها.
ما الذي تضيفه هذه الفرضية إلى ويندي براون؟
يمكن القول إن براون تكشف، بقوة، كيف تُفرغ النيوليبرالية الديمقراطية من مضمونها السياسي. أما فرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة» فتحاول أن تضيف إلى ذلك أمرين أساسيين.
الأمر الأول هو تسمية الشكل السياسي الناتج عن هذا التفريغ. فبراون تصف عملية التفريغ بدقة، لكن هذه الفرضية تسعى إلى تسمية النتيجة نفسها. فالمسألة لا تتعلق فقط بديمقراطية ضعيفة أو مفرغة، بل بـ ديمقراطية أُعيد تنظيمها لتعمل كآلية لإدارة الضرورة. وهذا فارق مهم، لأن الأمر لا يتعلق فقط بما فُقد، بل أيضًا بما حلّ محلّه. أي أن السياسة لا تختفي، بل تستمر في صورة جديدة: مؤسسات موجودة، وخطاب ديمقراطي قائم، وإجراءات مستمرة، لكن ضمن أفق ضيق، حيث تُدار الخيارات بدل أن يُصارَع عليها.
بهذا المعنى، لا يكون ما يحدث مجرد فراغ، بل إنتاج لصيغة جديدة من السياسة، سياسة تعمل، لكنها تعمل ضد معناها الصراعي. سياسة تتخذ القرارات وتدير التوازنات وتنظّم المشاركة، لكنها تفعل ذلك بعد أن يكون أفق البدائل قد ضاق، وبعد أن يصبح كثير مما ينبغي أن يكون موضوع نزاع عمومي قد أُعيدت صياغته بوصفه مسألة خبرة أو استدامة أو كفاءة.
أما الأمر الثاني، فيتمثل في مفهوم الإنسان المعزول سياسيًا. فبراون، حين تتحدث عن المواطن الذي يتحول إلى رأس مال بشري، تقدم تشخيصًا بالغ القوة لكيفية إعادة تشكيل الذات في ظل النيوليبرالية. لكن الفرضية التي تقوم عليها هذه السلسلة تضيف تحديدًا أكثر مباشرة من حيث علاقته بالفعل السياسي. فالإنسان المعاصر قد يبقى مندمجًا اجتماعيًا، حاضرًا في شبكات عائلية أو مهنية أو رقمية أو تنظيمية، لكنه يفقد تدريجيًا القدرة على تحويل هذا الاندماج إلى قوة سياسية مؤثرة. أي أن المشكلة لا تكمن فقط في اقتصادنة الذات، بل في فصل الروابط الاجتماعية عن إمكان الفعل المشترك.
السياق الشرق أوسطي: أين تتوسع الفرضية؟
هناك إضافة ثالثة تجعل مشروع «ديمقراطية الضرورة المُدارة» يتجاوز براون جزئيًا، وهي أنه لا يقف عند حدود المجتمعات الليبرالية الغربية وحدها. فبراون تنطلق أساسًا من تحليل مجتمعات تعمل فيها النيوليبرالية داخل ديمقراطيات مستقرة نسبيًا، أو داخل مؤسسات حديثة قائمة. أما هذه الفرضية، فتحاول أن تنقل التشخيص إلى السياقات الريعية–الهجينة في الشرق الأوسط.
وهنا لا تظهر إدارة الضرورة فقط عبر السوق أو الكفاءة أو الاستدامة أو رأس المال البشري، بل أيضًا عبر الريع والزبونية والسلطوية والجماعات الأولية وشبكات الولاء وإدارة الهشاشة الاجتماعية اليومية. أي أن النيوليبرالية، في هذه السياقات، لا تعمل وحدها، بل تتشابك مع بنى قديمة وحديثة في آن واحد. ومع ذلك، تظل النتيجة قريبة: تضييق أفق الصراع العمومي، وتحويل السياسة إلى إدارة للتكيّف، لا ساحة للنزاع على البدائل.
ومن هنا، فإن هذه الفرضية لا تستعير براون كما هي، بل توسّعها جغرافيًا وتاريخيًا.
من تفريغ الديمقراطية إلى إدارة الضرورة
هنا نصل إلى لبّ الحلقة. إذا كانت براون تساعد على فهم كيف تُفرَّغ الديمقراطية من داخلها، فإن مفهوم «ديمقراطية الضرورة المُدارة» يحاول أن يذهب خطوة أخرى: كيف تُعاد صياغة الديمقراطية بعد هذا التفريغ، بحيث لا تختفي، بل تستمر بوصفها جهازًا لإدارة ما يُعرض بوصفه حتميًا؟
فالمسألة لم تعد فقط أن المواطن صار رأس مال بشريًا، أو أن الدولة صارت أقرب إلى مدير، أو أن السوق غزا السياسة، بل أيضًا أن أفق البدائل نفسه يضيق، ويُقال للناس ضمنًا أو صراحة إن هذا هو الممكن، وهذه هي الواقعية، وهذه هي الضرورة، وهذه هي حدود السياسة. وهكذا، تصبح الديمقراطية ليست ساحة لتوسيع الممكن، بل أداة لتنظيم القبول بما يُقال إنه الممكن الوحيد.
وهذا هو، في الجوهر، ما تضيفه هذه الفرضية فوق براون.
موقع الفرضية: ماذا تأخذ وماذا ترفض؟
بعد المرور عبر ماركس وآرندت وفيبر ونيتشه وويندي براون، يصبح ممكنًا أن يقال باختصار من أين تتكلم هذه الفرضية.
إنها تأخذ من ماركس نقد الحياد الشكلي، ومن آرندت الدفاع عن السياسة ضد اختزالها في الإدارة، ومن فيبر الوعي بأن السياسة بلا ضمانات، ومن نيتشه تعرية الحياد بوصفه قناعًا، ومن براون فهم النيوليبرالية كعقلانية تُفرغ الديمقراطية من داخلها.
لكنها لا تتطابق مع أي واحد منهم. فهي لا تتبنى الحتمية التاريخية عند ماركس، ولا الفصل الحاد بين الاقتصاد والسياسة عند آرندت، ولا الواقعية المغلقة التي قد تُستخلص من بعض القراءة الفيبرية، ولا خاتمة نيتشه التي تمجّد القوة، ولا تكتفي، مع براون، بتشخيص التفريغ من الداخل.
بل تحاول أن تعيد تركيب هذه العناصر حول سؤال محدد:
ماذا يحدث للديمقراطية حين لا تُلغى، بل يُعاد تعريفها بحيث تتحول من فضاء للصراع حول الخيارات إلى آلية لإدارة ما يُقدَّم بوصفه ضرورة؟
خاتمة الحلقة الثالثة
تكشف ويندي براون، بقوة نادرة، أن النيوليبرالية لا تغيّر الاقتصاد فقط، بل تغيّر معنى المواطن والدولة والديمقراطية نفسها. ولهذا كانت أقرب المفكرين الذين عولجوا في هذه الحلقات إلى فرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة». لكنها، مع ذلك، لا تُغني عن هذا المفهوم، لأن ما يحاول هذا الأخير الإمساك به ليس فقط عملية التفريغ، بل الشكل السياسي الناتج عنها: ديمقراطية تعمل، لكنها تعمل ضد معناها؛ ومواطن يبقى داخل المجتمع، لكنه يفقد القدرة على الفعل السياسي؛ ودولة لا تنسحب، بل تُعاد صياغتها كجهاز لإدارة الضرورة.
وبذلك، تكتمل الخلفية الفكرية الأساسية لهذه الفرضية عبر الحلقات الثلاث. فمن نقد الحياد عند ماركس، إلى استعادة السياسة مع آرندت، إلى وعي المأساة مع فيبر، إلى تعرية الأقنعة مع نيتشه، إلى تشخيص النيوليبرالية مع براون، لا تكون الغاية ردّ الفرضية إلى أصولها، بل توضيح ما تحاول أن تفعله: أن تعيد فتح سؤال الديمقراطية من النقطة التي لم يعد فيها الخطر هو غيابها فقط، بل استمرارها بعد أن تعمل ضد معناها.