د. محمود عباس
ليس كل ما يُقال نقدًا هو نقد، وليس كل من يتحدث باسم الكورد ينتمي إلى قضيتهم، ما يجري اليوم ضد (ليلى زانا) ليس مجرد هجوم عابر، بل اختبار لوعي الشارع الكوردي، وبداية مسار خطير إن لم يُفهم في توقيته ومعناه.
في الآونة الأخيرة، وبعدما تخطت القضية الكوردية حدود الجغرافيا التي فُرضت عليها تاريخيًا، وبدأت تفرض حضورها في معادلات الإقليم والعالم، دخلت مرحلة جديدة من الاستهداف، أكثر تعقيدًا وخطورة. لم يعد الهجوم يقتصر على تشويه التاريخ أو تقزيم القضية، بل انتقل إلى مستوى أعمق، حيث يجري العمل على محو الجغرافيا من الوعي، وضرب الرموز التي تشكل الذاكرة الحية للنضال الكوردي. إنها مرحلة تُدار فيها المعركة على الوعي قبل الأرض، وعلى المعنى قبل السياسة.
فالاستهانة برموز الشعب الكوردي وقياداته، حتى عندما تُقدَّم تحت غطاء “النقد”، ليست مسألة عابرة أو بريئة في هذا السياق. لأن فتح هذا الباب يعني فتح سلسلة متتابعة من الطعن، تبدأ برمزٍ واحد، ولا تنتهي عند أحد. فكل من يشرعن هذا المسار، يدرك أن المجتمع الكوردي متعدد في رؤاه، وأن هذا التعدد يمكن تحويله بسهولة إلى فوضى إذا ما أُدير بخبث، خاصة في زمنٍ أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة لا يتحكم بها العقلاء، بل تقودها موجات الانفعال، وتُعاد فيها صياغة الحقائق وفق إيقاع الضجيج لا وفق ميزان الوعي.
وفي هذا الإطار، لا يمكن قراءة ما جرى مؤخرًا بحق السيدة (ليلى زانا) كحادثة منفصلة أو مجرد رأي عابر. فهذه الشخصية ليست اسمًا عاديًا في تاريخ الكورد، بل تمثل مرحلة مفصلية في نقل القضية الكوردية من الصمت إلى العلن. لقد دفعت سنوات من عمرها في سجون الاحتلال التركي لأنها تجرأت على كسر جدار الصمت داخل برلمانه، في لحظة كانت فيها القضية الكوردية تُحاصر في الظل. ومن تلك اللحظة، بدأت القضية تنتقل تدريجيًا من الأروقة المغلقة إلى المنصات السياسية والإعلامية، حتى أصبحت اليوم مطروحة على مستويات دولية، ويُبحث في تأثيرها على بنية الدساتير والسياسات.
ولم يكن تكريمها حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل جاء قبل أشهر من أعلى مستويات القيادة في إقليم كوردستان، حيث تم تكريمها من قبل رئيس الإقليم الكوردستاني (نيجيرفان برزاني)، وبمباركة الزعيم (مسعود برزاني) كما حظيت بتكريم من قبل السيد (بافل طلباني) في مشهد يعكس إجماعًا كوردستانيًا يتجاوز الحزبية والانقسام، ويؤكد أن هذه الشخصية تمثل رمزًا وطنيًا جامعًا لا يُختزل في إطار ضيق.
ومن هنا، فإن الطعن في (ليلى زانا) ومحاولة النيل من مكانتها عبر الزج بحياتها الاجتماعية والعائلية بأساليب رخيصة وسفيهة، لا يمكن تفسيره كنقدٍ سياسي أو اختلاف في الرأي، بل هو استهداف مباشر لرمزٍ نضالي، ومحاولة لفتح الباب للنيل من رموز أخرى. بل إن هذا الطعن، في عمقه، يمتد ليطال الجهة التي كرّمتها أيضًا، ويضرب ضمنيًا فكرة الإجماع الكوردستاني ذاته، وما يمثله من قيمة في الوعي الوطني.
إن ما يجري ليس عفويًا، ولا يمكن اختزاله في سلوك فردي أو فوضى عابرة، بل هو عمل مدروس تقف خلفه قوى تتربص بالقضية الكوردية، وتدرك تمامًا أن ضرب أي قضية لا يبدأ من جغرافيتها، بل من رموزها. هذه القوى تعرف كيف تستخدم أدوات العصر، وكيف تمرّر خطابها عبر واجهات تبدو كوردستانية في ظاهرها، لكنها في حقيقتها تعمل وفق منطق الخصم، وتسعى إلى جرّ الشارع الكوردي إلى معارك جانبية، تُستهلك فيها طاقته، وتُهدر فيها ثقته بكل ما يمثل قضيته.
ومن هنا، فإن مسؤوليتنا اليوم ليست في الانخراط في هذه السجالات المصطنعة، بل في كشفها وتعريتها. لأننا لم نعد أمام خلافات طبيعية داخل حركة نضالية، بل أمام معركة يجري فيها اغتيال الرموز الكوردية إعلاميًا وسياسيًا، بهدف إفراغ القضية من مضمونها، وتحويلها من مشروع تحرري إلى ساحة شك وفوضى.
فاليوم تُستهدف (ليلى زانا) ومعها رمزية كاملة، وغدًا سيكون الدور على غيرها.
وهنا لا نتحدث عن النقد المشروع، الذي يبقى ضرورة لأي مسار سياسي صحي، بل عن خطاب خبيث يُبث بعناية، ليستهدف الأمة من خلال رموزها، ويضربها في أنقى ما تملك.
ولهذا، فإن الوعي لم يعد ترفًا، بل أصبح خط الدفاع الأول. والحذر لم يعد خيارًا، بل ضرورة في مواجهة حربٍ لا تُعلن نفسها، لكنها تعمل بصمت، وتترك أثرها عميقًا في الوعي قبل الواقع.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
17/3/2026م