صلاح عمر
في زمنٍ تُدار فيه الحروب على منابع الطاقة، وتُرسم فيه خرائط النفوذ بخطوط النفط والغاز، تبدو المفارقة في روجآفاي كردستان أكثر قسوةً من أن تُحتمل. فهنا، لا يدور الصراع على من يملك الثروة… بل على من يُحرم منها، رغم أنها تخرج من أرضه، وتُحمَّل أمام عينيه، وتغادر دون أن تترك له سوى طوابير الانتظار.
في الوقت الذي يتصاعد فيه التوتر في مضيق هرمز، وتتحرك الأساطيل لحماية شحنات الطاقة، يعيش الناس في مناطق واسعة من سوريا أزمة محروقات خانقة، رغم أنهم يجلسون فوق واحدة من أغنى البقع النفطية في البلاد. لكن ما يجعل هذه المفارقة أكثر إيلامًا، ليس الحصار، ولا الضغوط الخارجية، بل مشهد الصهاريج التي تعبر يوميًا، محمّلة بالنفط، من كردستان سوريا إلى مناطق الحكومة المؤقتة… فيما يبقى أهل الأرض بلا وقود.
هنا، لا يعود الصمت حيادًا… بل تواطؤًا.
ولا يعود العجز مبررًا… بل سؤالًا.
كيف يمكن لإدارةٍ ترفع شعارات “الإدارة الذاتية” و“الأمة الديمقراطية” أن تعجز عن تأمين أبسط احتياجات شعبها، بينما تسمح بخروج ثرواته بشكلٍ يومي؟
كيف يتحول النفط، الذي يفترض أن يكون ركيزة للسيادة، إلى أداة استنزافٍ تُدار بمعزلٍ عن الناس؟
في مقابلة تلفزيونية قبل قرابة شهر، صرّح مدير حقول رميلان أن الإنتاج اليومي يبلغ نحو 120 ألف برميل. هنا، يتضاعف السؤال إلحاحًا: أين تذهب كل هذه الكميات، بينما تعيش المناطق الكردية أزمة محروقات حقيقية، وبأسعار تُرهق المواطن؟ أي معادلة هذه التي تنتج الوفرة… وتُسلّم الناس إلى الندرة؟
إن ما يجري ليس مجرد خللٍ إداري، بل نموذج صارخ لسوء إدارة الموارد، وغياب الأولويات، وانفصال القرار عن الواقع. فالثروات، في أي تجربة سياسية، تُعدّ اختبارًا حقيقيًا لجدية المشروع. إما أن تتحول إلى رافعةٍ للتنمية والاستقرار، أو إلى بابٍ للفوضى والتبعية. وما نشهده اليوم، هو الانزلاق نحو الخيار الثاني.
لقد اعتادت الإدارة الذاتية أن تُلقي باللائمة على الظروف، وعلى الحصار، وعلى تعقيدات المشهد. لكن هذه الذرائع تفقد معناها حين ترى النفط يُنقل يوميًا إلى خارج المنطقة، بينما يعجز المواطن عن تأمين ليتراتٍ تدفئ بيته أو تُسيّر حياته. فالأزمة، في جوهرها، ليست أزمة موارد… بل أزمة قرار.
إن أخطر ما في هذا الواقع، أنه يضرب الثقة بين المجتمع والسلطة. فحين يشعر الناس أن ثرواتهم لا تعود إليهم، وأن معاناتهم ليست أولوية، تبدأ شرعية أي إدارة بالتآكل، مهما كانت شعاراتها كبيرة. لأن الشعوب لا تُقاس بما يُقال لها، بل بما يصل إليها.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل ما يجري عن النهج السياسي الذي تتبناه هذه الإدارة. فحين يتم تقديم شعارات فضفاضة، تتحدث عن “أخوة الشعوب” و“الاندماج الديمقراطي”، دون تثبيت الحقوق القومية، ودون بناء مشروع اقتصادي حقيقي يخدم الناس، تتحول هذه الشعارات إلى غطاءٍ لعجزٍ بنيوي، لا إلى حلٍ له.
إن القضية الكردية، التي دفعت أثمانًا باهظة عبر عقود، لا يمكن أن تُختزل في إدارةٍ لا تملك القدرة على تحويل الثروة إلى خدمة، ولا الشعارات إلى واقع. فالمسألة لم تعد مسألة خطاب، بل مسألة مصير.
وما يزيد من خطورة المشهد، أن هذه السياسات تُنتج حالة من الإحباط العام، تدفع الشباب إلى الهجرة، وتُضعف روح الانتماء، وتفتح الباب أمام مزيد من التدخلات الخارجية. لأن الفراغ، حين يُترك، لا يبقى فارغًا… بل يُملأ بمن يملك القدرة على استغلاله.
إن اللحظة التي نعيشها اليوم، ليست لحظة توصيف… بل لحظة مواجهة.
مواجهة مع الحقيقة، قبل أي شيء آخر.
فإما أن تتحول هذه الثروات إلى عنصر قوة بيد الشعب، تُدار بشفافية وعدالة، وتُستخدم لبناء مستقبلٍ يليق بتضحياته…
وإما أن تستمر كأداة استنزاف، تُعمّق الأزمة، وتُسرّع الانهيار.
إن الشعوب قد تصبر… لكنها لا تنسى.
والتاريخ قد يتأخر… لكنه لا يرحم.
وبين صهاريج تغادر كل يوم… وبيوتٍ تنتظر دفئًا لا يأتي،
تُكتب الحقيقة بوضوحٍ لا يحتاج تفسيرًا:
أن المشكلة لم تعد في ما نملك…
بل في كيف يُدار ما نملك… ولمن.