عدنان بدرالدين
إذا كانت الحلقة الأولى قد توقفت عند ماركس وآرندت بوصفهما مدخلين أساسيين لفهم حدود الديمقراطية الشكلية ومعنى السياسة بوصفها فعلًا لا يجوز اختزاله في الإدارة، فإن هذه الحلقة تنتقل إلى محطتين مختلفتين في طبيعتهما، لكنهما لا تقلان أهمية في تكوين الخلفية النظرية لفرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة»: ماكس فيبر وفريدريك نيتشه.
تكمن أهمية هذين الاسمين في أنهما لا يقدّمان نظرية مباشرة في الديمقراطية بالمعنى الذي نجده عند بعض مفكري الحداثة السياسية، لكنهما يمنحان النقد السياسي عنصرين حاسمين: الأول هو الوعي بأن السياسة لا تُمارَس في عالم نقي، بل في عالم معقد، متنازع، خالٍ من الضمانات؛ والثاني هو الشك الجذري في براءة الخطابات التي تتكلم باسم الأخلاق أو الحقيقة أو الحياد أو الضرورة. ومن هنا، فإن المرور عبر فيبر ونيتشه لا يفيد فقط في توسيع الأفق النظري للسلسلة، بل في منعها أيضًا من السقوط في وهمين متقابلين: وهم الخلاص السهل من جهة، ووهم الحياد البريء من جهة أخرى.
فيبر: السياسة بلا براءة
تكمن قوة ماكس فيبر في أنه يعيدنا إلى حقيقة غالبًا ما تحاول الخطابات الأيديولوجية أو الأخلاقية إخفاءها: السياسة ليست ساحة صفاء أخلاقي، ولا طريقًا مستقيمًا إلى العدالة، ولا مجالًا تتحقق فيه المبادئ كما هي في نصوصها النظرية. إنها، عنده، مجال قرارات صعبة، تتداخل فيه المصالح والقيم، وتنتج فيه الأفعال نتائج غير مقصودة، ويُضطر الفاعل السياسي فيه إلى الاختيار بين بدائل ناقصة، لا بين خير مطلق وشر مطلق.
بهذا المعنى، يضع فيبر مسافة واضحة بين صفاء النية ومسؤولية الفعل. فهو لا يحتقر المبادئ، لكنه يرفض أن تكون السياسة مجرد امتداد مباشر لها، لأن الفعل السياسي لا يجري في فراغ، بل داخل عالم كثيف بالعواقب والمخاطر والتناقضات. ومن هنا جاء تمييزه الشهير بين أخلاق الاقتناع وأخلاق المسؤولية: فالأولى تتمسك بالمبدأ كما هو، حتى لو تجاهلت نتائجه، بينما تفرض الثانية على الفاعل السياسي أن يفكر في أثر قراراته الفعلي، لا في سلامة قصده فقط.
ومن هذه الزاوية، يقدّم فيبر درسًا أساسيًا لأي تفكير جاد في الديمقراطية والسياسة: لا يكفي أن تكون النيات نبيلة، ولا أن تكون الشعارات عادلة، بل ينبغي النظر إلى العالم الذي تعمل فيه هذه الشعارات، وإلى ما تنتجه القرارات من آثار، لا إلى ما تدّعيه من طهر. وهذا قريب جدًا من أحد الرهانات الأساسية في سلسلة «ديمقراطية الضرورة المُدارة»، التي ترفض بدورها أي تصور طهوري للسياسة، ولا تعد بانسجام نهائي أو خلاص مضمون.
لماذا يحتاج هذا المشروع إلى فيبر؟
تحتاج فرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة» إلى فيبر لأنها، مثلَه، لا تريد أن تبني دفاعها عن السياسة على وعود خلاصية. فهي لا تقول إن الديمقراطية طريق مضمون إلى العدالة، ولا إن الصراع داخلها سينتهي بالضرورة إلى نتائج منصفة، ولا إن التاريخ يحمل في داخله وعدًا خفيًا بالمصالحة. بل على العكس، تؤكد أن الديمقراطية بلا ضمانات، وأن قيمتها لا تكمن في أنها تحسم الصراع، بل في أنها تُبقيه مفتوحًا ومشروعًا.
وهنا يلتقي هذا المشروع مع فيبر في نقطة شديدة الأهمية: رفض البراءة السياسية. فالدفاع عن السياسة لا يعني إنكار هشاشتها أو تناقضاتها أو كلفتها، بل يعني الاعتراف بأنها تُمارَس داخل عالم لا يمنحنا اليقين الأخلاقي الكامل. بهذا المعنى، يحرر فيبر الفعل السياسي من الوعد المثالي المطمئن، ويفرض على من يفكر في الديمقراطية أن يفكر فيها من داخل التوتر، لا من فوقه.
لكن هذا الالتقاء لا يعني أن هذه الفرضية فيبرية بالمعنى الكامل. فهي تتوقف عند نقطة حاسمة لا يمكن تجاهلها.
أين تبدأ المسافة عن فيبر؟
تكمن المسافة الأساسية عن فيبر في أن الوعي بالمأساة السياسية يمكن، إذا تُرك من دون مقاومة، أن ينقلب إلى واقعية دائمة. أي إلى موقف يقول: العالم معقد، والسياسة مجال الممكن، ولا حلول نقية، ولذلك ينبغي أن نخفض سقف الطموح، وأن نقبل ما تفرضه موازين القوى والمؤسسات والأسواق والضرورات المعلنة.
وهنا تبدأ المشكلة من منظور «ديمقراطية الضرورة المُدارة». فهذه السلسلة لا تعترض على الواقعية من حيث هي إدراك لحدود العالم، بل تعترض على تحويلها إلى أفق مغلق. لأن ما تنتقده في العمق هو بالضبط هذا التحول: أن يُقدَّم الممكن القائم بوصفه الحد الطبيعي الوحيد للسياسة، وأن تتحول المسؤولية إلى اسم آخر للتكيّف مع ما هو مفروض سلفًا.
فإذا كانت النيوليبرالية تقول، بلسان الخبرة والإدارة، إن الخيارات الكبرى قد حُسمت، وإن وظيفة السياسة لم تعد فتح البدائل بل إدارة آثارها، فإن الاستناد إلى فيبر بصورة غير نقدية قد ينتهي إلى خدمة هذا المنطق من حيث لا يريد. فقد يُقال عندئذ: نعم، لا توجد ضمانات، والسياسة فن الممكن، وعلى الفاعلين العقلانيين أن يتعاملوا مع الوقائع كما هي. لكن هنا تحديدًا يظهر اعتراض هذه الفرضية: الممكن ليس معطًى نهائيًا، بل ساحة صراع هو نفسه.
ولهذا، فإن هذا المشروع يأخذ من فيبر وعيه بأن السياسة لا تُمارَس في عالم بريء، لكنه يرفض أن يتحول هذا الوعي إلى استقالة من الصراع، أو إلى حكمة تُقدّس الحدود القائمة باسم النضج. إنه يقبل أن السياسة بلا خلاص، لكنه يرفض أن تكون بلا أفق. ومن هنا جاء عنوان هذه الحلقة: من وعي المأساة إلى تعرية الحياد.
نيتشه: حين لا يكون الحياد بريئًا
إذا كان فيبر يعلّمنا أن السياسة بلا براءة، فإن نيتشه يضيف درسًا آخر لا يقل قسوة: الحياد نفسه قد يكون قناعًا. فنيتشه لا يطمئن إلى الكلمات الكبرى التي تتكلم باسم الحقيقة أو الخير أو العدالة أو العقل أو الموضوعية، لأنه يشك في الصورة التي تُعرض بها هذه المفاهيم حين تُقدَّم كما لو كانت منزّهة عن القوة أو التاريخ أو الصراع.
تكمن قوة نيتشه في أنه يدفع التفكير إلى ما وراء مستوى الإعلان الظاهر. فهو لا يسأل فقط: ما الذي تقوله القيم والخطابات؟ بل يسأل أيضًا: من يتكلم من خلالها؟ وما الذي تختبئه هذه اللغة من إرادة قوة، أو من رغبة في فرض تفسير معين للعالم تحت ستار الطهر أو العقل أو الحياد؟
ومن هنا، فإن أهم ما يقدّمه نيتشه لهذا المشروع ليس نظرية في الديمقراطية، بل أداة تفكيك. فهو يساعد على فضح الخطاب الذي يتحدث باسم الضرورة أو الكفاءة أو المصلحة العامة كما لو كان خطابًا خاليًا من المصلحة والانحياز والقوة. وهذه أداة ثمينة جدًا لفرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة»، لأن أحد رهاناتها الأساسية هو الشك في أن لغة الخبرة والواقعية والاستقرار والضرورة هي لغة محايدة حقًا.
لماذا يحتاج هذا المشروع إلى نيتشه؟
يحتاج هذا المشروع إلى نيتشه لأن النيوليبرالية لا تعمل فقط عبر المؤسسات والسياسات، بل أيضًا عبر اللغة. فهي لا تقول دائمًا: هذا قرار منحاز طبقيًا أو سياسيًا أو اجتماعيًا، بل تقول: هذا ما تفرضه الوقائع، أو ما تمليه الكفاءة، أو ما تسمح به الأسواق، أو ما يقتضيه الاستقرار. وهنا يصبح تفكيك هذه اللغة جزءًا من تفكيك السلطة نفسها.
من هذه الجهة، يمنح نيتشه هذه الفرضية عنصرًا لا نجده بالحدة نفسها عند ماركس أو آرندت أو فيبر: القدرة على تعرية الحياد المزعوم، وكشف أن الخطابات التي تبدو الأكثر تجردًا قد تكون الأكثر امتلاءً بإرادة الهيمنة. فحين يُقال إن بعض السياسات ليست سياسية أصلًا، بل مجرد استجابة عقلانية لما هو ضروري، فإن نيتشه يساعدنا على أن نسأل: ما الذي تخفيه هذه البراءة؟ ومن الذي يستفيد من أن يُقدَّم هذا الخيار بوصفه فوق النزاع؟
وبهذا المعنى، يشكل نيتشه رافدًا مهمًا لفرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة»، لأنها لا تنقد المؤسسات فقط، بل تنقد أيضًا اللغة التي تُعاد بها صياغة السياسة نفسها حتى تبدو وكأنها لم تعد سياسة.
لكن لماذا لا يمكن التوقف عند نيتشه؟
مع ذلك، فإن المسافة عن نيتشه ليست أقل أهمية من الاستفادة منه. فنيتشه، بعد أن ينجح بقوة هائلة في فضح الأقنعة الأخلاقية والحيادية، لا ينتهي إلى الدفاع عن السياسة بوصفها مجالًا جماعيًا للصراع العمومي، بل ينزلق غالبًا إلى أفق آخر: تمجيد القوة، وتفضيل الفرد الاستثنائي، والارتياب من المساواة، والنفور من الجماهير، والنظر إلى كثير من القيم الحديثة باعتبارها تعبيرًا عن أخلاق الضعف.
وهنا لا يمكن لفرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة» أن تتبعه. فهي لا تريد أن ينتهي نقد الحياد إلى عبادة القوة، ولا أن يتحول فضح البراءة إلى إلغاء أي أفق جماعي. لأن ما يعنيها ليس تحرير الفرد المتفوق من أخلاق القطيع، بل إعادة فتح المجال السياسي أمام صراع عمومي مشروع، لا يختزل السياسة في الغلبة ولا يحوّلها إلى مسرح للأقوى.
بعبارة أخرى: هذا المشروع يحتاج من نيتشه الشك لا الخاتمة. يحتاج قدرته على تعرية الأقنعة، لكنه لا يقبل النتيجة التي قد تجعل من القوة العارية بديلًا عن السياسة. فهو لا يريد أن يفضح الحياد كي يترك الساحة لإرادة القوة، بل كي يمنع القوة من أن تحكم العالم متخفية في لغة الحياد والخبرة والضرورة.
بين فيبر ونيتشه: ما الذي يتشكل؟
إذا جمعنا الدرسين معًا، فإننا نجد أن فيبر ونيتشه يقدّمان لهذه الفرضية عنصرين متكاملين:
من فيبر: أن السياسة بلا براءة وبلا ضمانات
من نيتشه: أن الحياد ليس بريئًا بدوره
أي أن السياسة لا تُمارَس في عالم نقي، وأن اللغة التي تدّعي إخراجها من الصراع ليست نقيّة هي الأخرى. ومن هنا، يكتمل جزء مهم من الخلفية الفكرية لفرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة»: رفض الوهم الخلاصي، ورفض الحياد المزعوم، في آن واحد.
لكن هذا لا يكفي بعد. فبعد نقد الهيمنة عند ماركس، والدفاع عن السياسة عند آرندت، والوعي بالمأساة عند فيبر، وتعرية الحياد عند نيتشه، يبقى سؤال معاصر شديد الإلحاح: كيف تُفرَّغ الديمقراطية من داخلها في زمن النيوليبرالية؟ وكيف يُعاد تعريف المواطن والدولة والحرية والمجال العام داخل منطق السوق نفسه؟
وهنا سيكون الانتقال في الحلقة الثالثة إلى ويندي براون ضروريًا، لأنها الأقرب مباشرة إلى قلب فرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة».
خاتمة الحلقة الثانية
إذا كانت الحلقة الأولى قد بيّنت أن فرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة» تبدأ بين نقد الحياد عند ماركس والدفاع عن السياسة عند آرندت، فإن هذه الحلقة تُظهر أن هذا المشروع لا يمكن أن يكتمل من دون عنصرين إضافيين: الوعي بأن السياسة لا تُمارَس داخل عالم خالص، والشك في أن اللغة التي تتكلم باسم الضرورة أو العقل أو الاستقرار هي لغة بريئة حقًا.
من هنا، يقدّم فيبر ونيتشه لهذه الفرضية رافدين متمايزين لكنهما متكاملان: الأول يحررها من الوعد السهل بالخلاص، والثاني يحررها من الثقة الساذجة بالحياد. غير أن المشروع لا يقف عند أي منهما. فهو لا يقبل أن يتحول غياب الضمانات إلى واقعية مغلقة، ولا أن تتحول تعرية الحياد إلى تمجيد للقوة. بل يحاول أن يثبت في موضع أكثر توترًا وصعوبة: الدفاع عن الصراع من دون وعود، وتفكيك الأقنعة من دون السقوط في عبادة الغلبة.
وفي الحلقة الثالثة، سيكون السؤال هو: كيف تُعاد صياغة الديمقراطية نفسها في ظل النيوليبرالية، بحيث لا تُلغى فقط، بل تُفرَّغ من الداخل؟ ولماذا تبدو ويندي براون أقرب المراجع المعاصرة إلى هذه الفرضية، من دون أن تكفي وحدها لتفسيرها بالكامل؟
يتبع