اقلبوا صفحة التّاريخ

صبري رسول

 

تحاول البشرية التّخلص من الاستبداد والدكتاتوريات وعبادة الفرد، التي كانت من إرث الأساطير والمعجزات والأديان، ويؤكّد التاريخ أن الدكتاتوريات تنتهي بالكوارث، وتجلب الويلات لشعوبها ولبلادها، والأمثلة كثيرة، يعرفها السّاسة وعامة النّاس، وحتى السّطحيون يعرفونها.

لكن ما الذي يدفع بعضاً من الرّهط الكردي المؤدلج إلى اللهاث وراء السّيد أوجلان؟ وتطبيق توصياته الفكرية والفلسفية بغضّ النّظر عن صحتها من عدمها، والاحتفال بميلاده وكأنه شخصٌ معجزة لم يأتِ مثله في الحياة، لا من قبل ولا من بعد.

إذا كان سكرتيرًا لحزب ما أو زعيمًا انتهى به الأمر في سجون تركيا، حتى إذا كان فيلسوفاّ حقًا، فليس هناك فيلسوف معبود في التّاريخ، لأن الفلاسفة ينيرون الطريق إلى التّحرر، يرفضون الاستبداد وعبادة الفرد، والسيد أوجلان أقلهم قامة في الفكر والمعرفة.

تخلّى مانديلا في السّجن عن مهامه 27 سنة لأنه يعرف أن السجين غير مؤّهل للقيادة واتخاذ القرارات. السيّد أوجلان هو السّجين الوحيد في التاريخ الذي يتخذ القرارات السياسية المصيرية في السّجن. والغريب أنّ رهطه يمتثلون لأوامره، ويُعرَف عن السّيد أوجلان أنّه دكتاتور ومتعجرف، وكان يوزّع شتائمه البذيئة يمينًا وشمالًا لرفاقه وللآخرين، كما وزّع التّصفيات الجسدية لآلاف المنضمين لحزبه. ومثل هذا الشخص لايمكن أن يكون مُحرِّرا لأنّه يحتاج إلى أن يتحرّر من عُقَده أولاً ومن سجنه ثانياً، فقد لاينطق السّيد أوجلان بجملة واحدة إلا وفيها مفردة «الديمقراطية» كمصطلح سياسي دارج في أحاديثه، والرّجل السّياسي لا يشتم أحداً عندما يكون ديمقراطياً، ولا يقوم بتصفية رفيقه إذا اختلف معه في الرأي، ولا يوجّه إلى الآخرين تهمة «إخانت» أي الخيانة، إذا لم يكن يوافق على قرار له. ويبدو أن هذه الصفات أصبحت مكتسبة لدى رهط من ذوي الشخصيات الضعيفة في الجهات التابعة لحزبه، فيطبقونها في الحياة، أو يمتثلون لها لإظهار ولائهم له، فيشتمون هذا الطّرف ويخوِّنون ذاك الطّرف.

الفيلسوف يموت، وتبقى أفكاره تنتقل من مكان إلى آخر، ومن عصرٍ إلى آخر، وتُدرَّس في الجامعات والمعاهد الفكرية، كسقراط، أفلاطون ،أرسطو، سبينوزا، لوك، هيجل، كانط، نيتشه، فرويد وسارتر. كثيرٌ من أفكار هؤلاء الفلاسفة انتهت في وقتها لعدم تناسبها مع المجتمعات والزّمن، وبعضها مازالت تُطبَّق في حياة الدول والأفراد.

الدّكتاتور ينتهي بأي طريقة كانت، ولا تتأسف عليه الشّعوب، هتلر، موسوليني، صدام، حافظ، قذافي، بشار. ويكتب عنهم التّاريخ بأنّهم أوصلوا شعوبهم ودولهم إلى الدّمار. دعوا التّاريخ يحكم على أفكاره، ويقرّر مدى صحتها، سينتهي أوجلان كسياسي كما الأسماء السابقة، وتبقى أفكاره رهن الزّمن وطبيعة المجتمع، أما سياسياً لن يذكره التّاريخ إلا من باب الأمثلة السيئة.

أما الأمر الملحّ والمهم فيتعلّق بقضايا كثيرة وعميقة، وملفات معلّقة رغم أنّها مستعجلة، وتُزاح جانباً وتُطرَح بدلاً منها قضايا جانبية للتغطية على الفشل السّياسي والعسكري والإداري للإدارة الذاتية، منها: 1- ملف السّجناء والموقوفين والمعتقلين. 2- ملفّ المفقودين والشّهداء. 3- ملفّ النازحين، والمهاجرين، في الدّاخل والخارج. ناهيك عن قضية وحدة الصّف الكُردي التي أصبحت منسية، إضافة إلى قضايا تتعلّق بالخدمات والحياة اليومة. هل نترك كلّ هذه الملفات ونحتفل بميلاد السّيد أوجلان؟؟ عن أي ميلاد تحتفلون؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

في نهاية اللقاء السابع بعد المائة للهيئة المرحلية، صرحت المتحدثة باسمها بما يلي: اولا – نتقدم بالتهاني لشعبنا الكردي في عيده القومي نوروز ولكل السوريين، وللرئيس الانتقالي الذي اصدر مرسوم اعتبار نوروز عيدا وطنيا، وفي الوقت الذي شاركنا فيه شعبنا فرحته في كل المناطق وفي العاصمة دمشق، نحذر في الوقت ذاته محاولات حزبنة نوروز واستثماره لاغراض حزبوية سياسية فئوية بالداخل…

عبدالله كدو الكرد السوريون يمرون، مثلهم مثل غيرهم من أبناء شعوب المنطقة من العرب والترك والفرس وغيرهم، بمرحلة لم تكتمل فيها الاصطفافات الاجتماعية والسياسية بعد، فالمجتمع الكردي ينقسم إلى عشائريين ومدنيين، محافظين وليبراليين، مؤمنين معتدلين وعلمانيين بالأكثرية، ومؤمنين متطرفين بالأقلية. هذه اللوحة الاجتماعية للمجتمع الكردي تساهم في تفسير كيفية تلقي الشعب الكردي التأثيرات السياسية التي كانت أو لا تزال تتبعها…

عبدالجبار شاهين ولد الهدى فالكائنات ضياء، وفي مثل هذا اليوم التاريخي المجيد الذي توقّفت عنده عقارب الكون احتراماً، ومالت فيه المجرّات إجلالاً، وغيّرت الفلسفة مسارها خجلاً، نحتفل بميلاد القائد الكوني، الفيلسوف الأممي، المعلّم الأول، النبي الذي لم يُنزَّل عليه وحيٌ من السماء بل نزلت عليه السماء نفسها، عبدالله أوجلان، الرجل الذي لم يكتفِ بتحرير الإنسان، بل قرر إعادة تعريفه، ولم…

أحمد بلال تطرح الحرب الدائرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تساؤلات جوهرية حول مستقبل حلف الناتو، واحتمالات دخول العالم في مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التوازنات الدولية. فهذه الحرب لم تندلع في فراغ، بل جاءت في سياق عالمي يشهد أزمات وصراعات ممتدة منذ سنوات، ما يجعل تأثيرها أكبر من مجرد مواجهة إقليمية. 1. جذور حلف…