نوروز… حين ينهض الزمن من رماده

بنكين محمد
في كل عام، ومع أول خيطٍ من نور الربيع، يولد عيدٌ لا يشبه الأعياد… عيدٌ لا يُحتفل به فقط، بل يُستعاد فيه التاريخ وتُبعث فيه الذاكرة. إنه عيد النوروز؛ الحكاية التي عبرت آلاف السنين، وما تزال حتى اليوم تتوهّج كالشعلة في قلوب الشعوب.
يرتبط نوروز ببداية السنة الجديدة وفق التقويم الكردي، ويوافق لحظة الاعتدال الربيعي، حين تتساوى ساعات الليل والنهار، وكأن الطبيعة نفسها تعلن بداية توازن جديد. لكن نوروز لم يكن مجرد حدث فلكي؛ بل تحوّل إلى رمز عميق للحياة والانبعاث، حيث تتفتح الأرض بعد سبات، وتعود الروح إلى الإنسان بعد شتاءٍ طويل.
تعود جذور هذا العيد إلى حضارات قديمة في بلاد ما بين النهرين وفارس، حيث كان يُحتفل به منذ أكثر من 3000 عام. ويُقال إن الملك الأسطوري جمشيد هو أول من أرسى تقاليده، عندما جلس على عرشه في يومٍ أشرق فيه العالم من جديد، فسُمّي اليوم “نوروز” أي “اليوم الجديد”.
لكن في الذاكرة الكردية، يأخذ نوروز بُعداً أكثر اشتعالاً… إنه ليس مجرد بداية ربيع، بل بداية حرية. ترتبط أسطورة نوروز بقصة البطل كاوا الحداد الذي ثار على الطاغية “الضحاك”، وأنهى عهداً من الظلم بإشعال النيران على قمم الجبال، لتكون إشارة النصر وبداية فجرٍ جديد. ومنذ ذلك الحين، أصبحت النار قلب نوروز النابض، رمزاً للثورة والانعتاق.
لهذا، لا يُحتفل بنوروز بصمت… بل بالنار، بالغناء، بالدبكات، وبالألوان التي ترتديها الشعوب. في كردستان، يتحول العيد إلى مشهد حيّ: الجبال تشتعل بالمشاعل، والناس تتجمع حولها كأنها تعانق التاريخ ذاته. لا فرق بين الماضي والحاضر؛ فكل شعلة تُضاء هي امتداد لشعلة كاوا الأولى.
ومع مرور الزمن، انتشر نوروز خارج حدوده الأولى، ليصبح عيداً مشتركاً بين شعوب متعددة: من إيران إلى آسيا الوسطى، ومن القوقاز إلى أجزاء من الشرق الأوسط. وقد اعترفت به اليونسكو كتراث ثقافي غير مادي للإنسانية، تأكيداً على قيمته الحضارية والإنسانية.
نوروز اليوم ليس مجرد ذكرى… إنه موقف. هو إعلان مستمر بأن الحياة أقوى من الموت، وأن النور ينتصر مهما طال الظلام. هو العيد الذي لا يشيخ، لأنه يولد كل عام في قلب كل من يؤمن بالحرية.
في نوروز، لا نحتفل بقدوم الربيع فقط… بل نحتفل بقدرتنا الدائمة على أن نبدأ من جديد.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ماهين شيخاني   مقدمة: ليست مجرد لافتة هل يمكن أن تكون لوحة معدنية معلقة على جدار مبنى حكومي سبباً لأزمة سياسية طاحنة؟ في الحسكة، المدينة التي عرفت كل أنواع الصراعات، كان الجواب: نعم. ما جرى في الأيام القليلة الماضية حول القصر العدلي في الحسكة لم يكن مجرد “تغيير لافتات”، ولا خلافاً إدارياً عابراً بين موظفين. كان معركة هوية مكشوفة، وجولة…

د . مرشد اليوسف التصعيد المؤسف حول اللوحة التعريفية للقصر العدلي بالحسكة يعكس واقعاً معقداً، حيث يبدو أن طرفي النزاع لا يرغبان بالجلوس لحل جذري للمشكلة . والخلاف لم يعد مجرد خلاف على لافتة، بل تحول إلى رمز لصراع سياسي أعمق، مما يجعله عرضة لاستغلال أطراف قد لا تريد نجاح عملية التفاهم والإندماج السلس . ولفهم سبب عدم الحل ،…

كردستان يوسف إنه لأمر مدهش كيف تتحول أبسط مقومات الوجود الإنساني في سوريا الى صراع، وكيف يصبح حق اللغة موضع جدال، وقضية يتم النظر إليها ضمن ازدواجية غريبة، فبينما تعتبر اللغة العربية ثوابت وطنية مقدسة، ينظر إلى اللغة الكردية نظرة دونية، فكيف وبعد أكثر من عقد من التعليم باللغة الكردية تطالب الحكومة المؤقتة في دمشق بإلغاء هذا النظام وإدراج اللغة…

شادي حاجي في لحظة سياسية يُفترض أنها تؤسس لسوريا جديدة بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام، عاد الجدل مجدداً حول طبيعة الدولة السورية المقبلة: هل ستكون دولة مواطنة وشراكة حقيقية بين مكوناتها القومية والدينية والطائفية، أم مجرد إعادة إنتاج للدولة المركزية القديمة بصياغات أكثر ليونة إلى حدٍّ ما؟ هذا السؤال عاد بقوة بعد صدور المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026،…