سرّ الصمود الإيراني

د. محمود عباس

يُعدّ سؤال صمود إيران أمام العقوبات من أكثر الأسئلة التي شغلت الباحثين في الاقتصاد السياسي والعلاقات الدولية خلال العقود الأخيرة. فمنذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979، تعرّضت إيران لسلسلة طويلة من العقوبات الاقتصادية والمالية والتكنولوجية فرضتها الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية، ثم تعزّزت هذه العقوبات عبر قرارات دولية متعددة. ومع ذلك، لم تؤدِّ هذه الضغوط الممتدة لأكثر من أربعة عقود إلى انهيار الدولة الإيرانية أو تفكك مؤسساتها كما حدث في تجارب أخرى. ويُفسَّر هذا الصمود بمجموعة من العوامل البنيوية المتداخلة التي تتعلق بطبيعة الدولة الإيرانية، وبنيتها الاقتصادية والاجتماعية، وموقعها في النظام الدولي.

أول هذه العوامل هو البنية التاريخية للدولة الإيرانية. فإيران ليست دولة حديثة التشكّل كما هي حال كثير من دول المنطقة، بل تمتلك تقليدًا دوليًا ممتدًا منذ الإمبراطوريات القديمة، من الميديين والأخمينيين مرورًا بالساسانيين وصولًا إلى الدول الإسلامية المتعاقبة. هذا الإرث التاريخي أسهم في ترسيخ مؤسسات الدولة والإدارة المركزية، بحيث بقيت قادرة على العمل حتى تحت ضغوط خارجية شديدة. وقد أشار عدد من الباحثين في دراسات الشرق الأوسط، مثل المؤرخ الإيراني-الأمريكي ارفاند إبراهيميان، إلى أن قوة الدولة المركزية في إيران هي أحد مفاتيح فهم قدرتها على امتصاص الأزمات.

العامل الثاني يتعلق باقتصاد الموارد الطبيعية. فإيران تمتلك أحد أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم، وهو ما يمنحها هامشًا من القدرة على المناورة الاقتصادية. صحيح أن العقوبات حدّت من قدرتها على التصدير بحرية، لكنها لم تستطع إلغاء هذه الموارد أو محوها من الاقتصاد العالمي. وقد أظهرت التجربة أن الدول الغنية بالطاقة تمتلك غالبًا قدرة أكبر على التكيّف مع الضغوط الاقتصادية مقارنة بالدول التي تعتمد على قطاعات صناعية أو تجارية محدودة.

العامل الثالث يتمثل في الاقتصاد الموازي وشبكات الالتفاف على العقوبات. فمنذ ثمانينيات القرن الماضي طورت إيران منظومات اقتصادية بديلة تعتمد على التجارة غير المباشرة، والوساطة عبر دول ثالثة، والتبادل بالعملات المحلية. وقد ناقش الباحث الأمريكي Vali Nasr هذه الظاهرة بوصفها جزءًا من «اقتصاد المقاومة» الذي نشأ نتيجة العقوبات المستمرة.

أما العامل الرابع فيرتبط بطبيعة التركيبة السياسية للنظام الإيراني نفسها. فالنظام لا يقوم على مؤسسات الدولة التقليدية وحدها، بل يجمع بين بنية دولية راسخة وبنية أيديولوجية تمتلك قدرة واضحة على تعبئة المجتمع سياسيًا. وهذا التداخل بين الدولة والمؤسسة الأيديولوجية منح النظام قدرة على تحويل الضغوط الخارجية إلى عنصر تعبئة داخلية. فالعقوبات لا تُقدَّم في الخطاب الرسمي بوصفها مجرد إجراء اقتصادي، بل تُصاغ ضمن سردية أوسع تُصوِّرها كجزء من صراع سياسي وسيادي مع الخارج. وقد أسهم هذا الإطار التفسيري في خلق قدر من التضامن الداخلي، أو على الأقل في الحدّ من تفكك الجبهة الاجتماعية، حتى بين فئات من المجتمع لا تتفق بالكامل مع سياسات الحكومة، لكنها تتعامل مع الضغوط الخارجية بوصفها مسألة تمس الدولة والمجتمع معًا.

العامل الخامس يرتبط بالتغير في النظام الدولي. فالعقوبات الأمريكية لم تعد تُفرض في عالم أحادي القطب كما كان الحال في التسعينيات، بل في نظام دولي أكثر تعددية. فقد حافظت إيران على علاقات اقتصادية مع دول مثل الصين وروسيا، وهو ما خفف جزئيًا من تأثير العزلة الغربية الكاملة.

ومع ذلك، فإن صمود إيران لا يعني أن العقوبات لم تُحدث آثارًا عميقة. فقد أدت إلى تضخم مرتفع، وتراجع في مستوى المعيشة، وتوترات اجتماعية متكررة. لكن التجربة الإيرانية أظهرت أن العقوبات الاقتصادية، حتى عندما تكون قاسية وطويلة، لا تؤدي بالضرورة إلى انهيار الأنظمة السياسية إذا كانت الدولة تمتلك بنية مؤسساتية قوية، وموارد طبيعية كبيرة، وشبكات علاقات دولية بديلة.

ولهذا السبب ينظر كثير من الباحثين إلى الحالة الإيرانية بوصفها مثالًا مهمًا في دراسة حدود فعالية العقوبات الاقتصادية في السياسة الدولية. فالعقوبات قد تضعف الاقتصاد وتخلق ضغوطًا داخلية، لكنها لا تكفي وحدها لإحداث تغيير سياسي جذري ما لم تترافق مع تحولات داخلية عميقة في بنية المجتمع والدولة.

 

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

14/3/2026م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين بدات الاحتجاجات بدمشق منذ الخامس عشر من آذار ، وتوجت بانتفاضة شملت درعا والمناطق السورية الأخرى اعتبارا من الثامن عشر عام ٢٠١١ . تزامنت الاحتجاجات مع موجة ثورات الربيع التي عمت العديد من بلدان المنطقة ، ( تونس – مصر – اليمن – ليبيا ) وفي موجتها الثانية ( العراق – الجزائر – لبنان ) حيث كانت لشعوب…

ماهين شيخاني مع اقتراب الحادي والعشرين من آذار من كل عام، تتجه أنظار ملايين الناس في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى إلى عيد عريق يحمل في طياته معاني التجدد والانبعاث. إنه نوروز، العيد الذي يحتفل به العديد من شعوب المنطقة باعتباره بداية الربيع وبداية عام جديد في الذاكرة الثقافية والحضارية. غير أن لهذا العيد معنى أعمق وأكثر خصوصية لدى الشعب الكوردي،…

خالد حسو تشكل المواقف الإيجابية الصادرة من الأفراد والشخصيات العربية وغير العربية، والجهات الرسمية وغير الرسمية تجاه القضية الكوردية والشعب الكوردي مؤشراً أساسياً على إمكانية بناء حوار سياسي مسؤول ومستدام. كل خطوة إيجابية، مهما كانت محدودة، تُسهم في تعزيز التفاؤل وتبث روح الأمل بين جميع المكونات، وترسخ مفهوم الشراكة الوطنية القائمة على العدالة والحقوق المتبادلة. هذه المواقف تعكس إدراكاً مشتركاً…

اكرم حسين في تاريخ الشعوب والثورات، هناك رموز تتجاوز أدوارها السياسية المباشرة لتصبح علامات فارقة في مسار الوعي الجمعي ، ومن بين هذه الرموز، يبرز اسم الشهيد مشعل التمو كحالة إشكالية تتحدى القراءات الاختزالية، وتضعنا أمام ضرورة تفكيك العلاقة بين القومي والوطني، الهوية والمواطنة، المشروع السياسي والعمق الوجودي. استحضار مشعل التمو اليوم يضعنا أمام مسؤولية كبرى ، إما أن…