مئوية قامشلو.. هل نحتفل بمئة عام أم نؤسس لمئة عام جديدة؟

فيصل اسماعيل اسماعيل

مرور مئة عام على تأسيس قامشلو ليس مجرد مناسبة للاحتفال واستعادة الذكريات، بل محطة تاريخية تستحق وقفة جادة أمام ماضي المدينة وحاضرها ومستقبلها. فالسؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا كانت قامشلو خلال مئة عام؟ بل: ماذا نريدها أن تكون خلال المئة عام القادمة؟
نشأت قامشلو وتطورت على أرضٍ شكل التنوع أحد أهم ملامحها؛ كرداً وسرياناً وآشوريين وأرمن وعرباً وغيرهم. وكان هذا التنوع جزءاً من ذاكرتها الاجتماعية والثقافية. وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل الحضور الكردي التاريخي والثقافي والسياسي في المدينة، ولا فصل تاريخ قامشلو عن تاريخ المنطقة الكردية في سوريا.
ومن أهم ما ينبغي أن تتركه المئوية وراءها، تشكيل لجنة مجتمعية تضم ممثلين عن جميع مكونات قامشلو، إلى جانب المؤرخين والكتاب والأكاديميين والمثقفين، لإعداد كتاب موسوعي يوثق قرناً من تاريخ المدينة. كتاب يعرّف بأبرز محطاتها وشخصياتها التي تركت بصمتها في الأدب والثقافة والعلوم والفن والمسرح والسياسة والأمن والعمل الاجتماعي والعشائري والاقتصاد والتعليم وغيرها، بعيداً عن الإقصاء أو التحيّز. فقِيامشلو ليست تاريخاً سياسياً فقط، وإنما ذاكرة مشتركة صنعتها أجيال من أبنائها.
وفي هذه المناسبة، تبرز أيضاً مسؤولية القوى السياسية: ماذا قدمت لقامشلو وأبنائها خلال العقود الماضية، وماذا ينبغي أن تقدم في القرن الجديد؟ فالمطلوب هو الانتقال من إدارة الأزمات والخلافات إلى بناء مشروع سياسي ومجتمعي يحمي حقوق جميع أبناء المدينة، ويجعل التعدد مصدر قوة لا سبباً للصراع.
كما ينبغي أن تكون المئوية مناسبة لإشراك أبناء قامشلو في المهجر، الذين يحملون جزءاً مهماً من ذاكرتها، ويمكن أن يشكلوا رافداً أساسياً في مجالات الثقافة والاستثمار والتنمية وإعادة البناء.
ولا تكتمل هذه الرؤية من دون إنشاء أرشيف ومركز أو متحف دائم لذاكرة قامشلو، يجمع الوثائق والصور والشهادات ويحفظ تراث المدينة وشخصياتها، مع حماية ما تبقى من معالمها التاريخية، ووضع رؤية مستقبلية للتنمية والعمران والتعليم والخدمات.
والأهم أن تتحول المئوية إلى حوار مجتمعي واسع حول مستقبل قامشلو، يشارك فيه أبناؤها بمختلف انتماءاتهم السياسية والقومية والاجتماعية، وصولاً إلى وثيقة بعنوان «رؤية قامشلو 2026»، تضع تصوراً واضحاً للمدينة خلال القرن القادم.
إن مئوية قامشلو يجب ألا تكون مجرد نهاية لقرن من التاريخ، بل بداية لمشروع قرن جديد؛ قرن تكون فيه المدينة آمنة، مزدهرة، متعددة، تحفظ ذاكرتها وهويتها، وتصون حقوق جميع أبنائها.
فالمطلوب اليوم ليس أن نحتفل بمئة عام مضت فقط، بل أن نمتلك الشجاعة لنسأل: ماذا سنترك نحن لقامشلو عندما تحتفل بمئويتها الثانية؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كدو في مئوية مدينة قامشلي، سوريا المصغّرة، التي جمعت، ولا تزال، الكرد والعرب والسريان الآشوريين الكلدان والأرمن، مسلمين ومسيحيين وإيزيديين، وكان اليهود جزءاً من نسيجها المجتمعي سابقاً، هذه المدينة التي يعتبرها الكرد عاصمتهم السياسية.، نعتذر إلى شهدائنا وجميع ضحايانا، وإلى عائلاتهم جميعاً، بدءاً، بحسب التسلسل الزمني للاستشهاد والاختطاف والتغييب، وبحسب ما أتذكر، من شهيد نوروز سليمان آدي، وشهداء انتفاضة…

اكرم محمد تُعد دراسة أسماء المواقع والجغرافيا في منطقة الجزيرة الفراتية العليا مفتاحاً أساسياً وفكرياً لفهم هوية الأرض وسكانها الأصليين والامتداد العشائري والبيئي المرتبط بها عبر العصور. ومن أبرز الحواضر التي دار حول اسمها نقاش وجدل واسع في الأوساط الثقافية والإدارية مدينة القامشلي، المعروفة شعبياً وفي الوجدان الجمعي باسم قامشلو. ويرى البعض، بظاهر العبارة وسجلاتها الحديثة، أن الاسم تركي المنشأ،…

أ. د. سربست نبي بعد مئة عام من إعدام حسن خيري بك (حسن خيري جانكوزاده) علينا أن نفكر بتقديم الاعتذار لهذا السئ الحظ المتواضع، الذي لم يخطر بباله قط، وحبل المشنقة يلف حول عنقه، بأنه لن يكون آخر وأكبر الخونة في التاريخ الكردي، وبأن خيانته ستبدو تافهة وصغيرة، تستحق العفو والنسيان، قياساً للخيانة التي سترتكب بعد مئة عام من شنقه…..

د. عدنان بوزان في المشهد الكوردي السوري الراهن مفارقة تستحق التوقف: لماذا يتحول تغيير لوحة أو صورة أو تمثال في ساحة عامة، أو رفع العلم السوري الجديد، لدى بعض الكورد إلى قضية تكاد تعامل بوصفها اعتداءً على الهوية والقضية؟ المشكلة في الحقيقة ليست في لوحة تزال ولا في تمثال يستبدل ولا في علم يرفع؛ فهذه رموز قابلة للتغيير مع…