صلاح بدرالدين
بدات الاحتجاجات بدمشق منذ الخامس عشر من آذار ، وتوجت بانتفاضة شملت درعا والمناطق السورية الأخرى اعتبارا من الثامن عشر عام ٢٠١١ .
تزامنت الاحتجاجات مع موجة ثورات الربيع التي عمت العديد من بلدان المنطقة ، ( تونس – مصر – اليمن – ليبيا ) وفي موجتها الثانية ( العراق – الجزائر – لبنان ) حيث كانت لشعوب تلك الدول قضاياها الوطنية ، والاجتماعية ، والاقتصادية ، والديموقراطية الخاصة بها ، مع نشدانها الحرية والكرامة كهدف مشترك .
كان واضحا ان الانتفاضات ، والثورات المشتعلة بدأت وتوسعت ، وتجذرت اكثر في الدول المتعددة القوميات ، والأديان ، والمذاهب ، حيث الاستبداد ، والحرمان ، والتميز العنصري ، والمذهبي .
الانتفاضة السورية ، بدات عفوية يتصدرها الشباب ومن دون تخطيط مسبق ، بسبب غياب القوى الديموقراطية المنظمة التي انهكتها دكتاتورية البعث لاكثر من خمسين عاما ، وخلال فترة وجيزة استطاعت تنسيقيات الشباب تعزيز التنسيق فيما بينها ، والتوافق على الشعارات الوطنية مثل : الشعب السوري واحد – حرية – كرامة – اسقاط الاستبداد – تغيير ديموقراطي ، وهي اهداف الغالبية الساحقة من الشعب السوري .
حسب اعتقادي تحولت الاحتجاجات السلمية بقيادة الشباب الى انتفاضة ثورية دفاعية شاملة ، منذ الانشقاق في الجيش السوري ، وانتقال مجموعات من العسكريين ضباطا وجنودا الى صفوف الشعب ، ثم تجذرت اكثر في ثورة وطنية عندما التحمت تنسيقيات الشباب ، والحراك الوطني العام ، والجيش الحر الذي بدأ بالدفاع عن المحتجين ، والمقاومة في الحرب التي اعلنها النظام على الشعب السوري دون رحمة وبكل الوسائل .
تجذر الثورة السورية ، وشعاراتها الوطنية الجامعة ، ومشاركة غالبية المكونات ، إضافة الى موقع سوريا الجيو استراتيجي ( فتح الاعين ) كمايقال ، وبدأ التدخل الإقليمي ، والنظام العربي الرسمي ، والدولي للجم الاندفاعة الثورية ، وتوافق الجميع على فرض ( المجلس الوطني السوري ) الذي اسسه ، وقاده – الاخوان المسلمون السورييون – ، وكان إيذانا بهبوب رياح الردة ، والتراجع ، والمساومات ، والدخول في دهاليز المخططات الإقليمية بالضد من طموحات الشعب السوري التي عبر عنها الشباب ، والحراك الوطني ، والجيش الحر في البدايات .
كان الكرد السورييون كمكون معرض للاضطهاد القومي ، والحرمان من الحقوق وبشكل عام مع أي تغيير يحصل في النظام السياسي الشوفيني ، وتصدت قوى عديدة في حركتهم السياسية للنظام مبكرا ورفعت شعار اسقاطه مثل ( البارتي اليساري – الاتحاد الشعبي – حيث كنت في قيادته ) منذ أواسط ستينات القرن الماضي ، واسوة بالمكونات السورية الأخرى شارك الكرد بالانتفاضة والثورة ، وقدموا الشهداء ، وقبل ذلك بسبعة أعوام هب الكرد في مختلف مناطقهم انطلاقا من القامشلي ، ولكن العامل السياسي الذاتي كرديا وسوريا لم يساعد في تحويل الهبة الى انتفاضة شاملة .
كان لتسلل الاخوان المسلمين الى قيادة الثورة والمعارضة بمثابة خيبة امل للوطنيين الكرد الثوار ، وتحولت الى صدمة عندما عين ( البيانوني وزهير سالم ) احد اصدقائهم من القومية الكردية ممثلا عن الكرد في مجلسهم ، بدلا من القيادات الكردية الشابة او مناضليم الوطنيين الذين قارعوا النظام ، وقضوا سنوات عمرهم بالسجون والملاحقات الأمنية ، والمقصود هنا هو المشاركة الكردية الوطنية بالقرار كحركة سياسية وليس من خلال فرد قريب من جماعة ، او مثل ماتم مع أحزاب – المجلس الكردي – حضور شكلي ، واستلام مرتبات آول الشهر ، والعامل السلبي الآخر الذي خلق إشكالية في الساحة الكردية مازالت آثارها السلبية بادية ، هو توافد مسلحي – ب ك ك – من قنديل منذ نهاية عام ٢٠١١ لنجدة النظام السوري ، ومواجهة الثورة السورية .
في الأعوام الأخيرة من الثورة السورية وبعد الفشل السياسي الذريع لمن تولوا امرها تعيينا من تعبيرات سائر التيارات الدينية ، والقومية ، واليسارية ، التي أخفقت وامتنعت عن قبول المراجعة من خلال مؤتمر وطني سوري شامل ، ثم غدر بالثورة القريب والبعيد ، الا ان اجتمعت الأسباب الداخلية والخارجية ، لتتوج الانتصار من خلال فصائل عسكرية تتصدرها – هيئة تحرير الشام – المنحلة ، وتحرر دمشق وتسقط نظام الاستبداد ، يوم الثامن من كانون اول \ ديسمبر عام ٢٠٢٤ .
هيئة تحرير الشام مع غيرها من الفصائل العسكرية ، وتشكيلات الجيش الحر ، والمجموعات السياسية ، والفئات الاجتماعية ، والأحزاب ، والتنظيمات ، والشخصيات الوطنية ، كانت من مكونات الثورة السورية المتنوعة ، وغير المتجانسة فكريا وسياسيا ، في مرحلة مواجهة العدو المشترك : النظام الاجرامي الدكتاتوري ، المستبد ، وحماته من النظامين الروسي ، والإيراني ، والميليشيات المذهبية .
لاشك ان اسقاط الاستبداد هو تحقيق احد اهداف الثورة السورية ، من جملة من الأهداف الأخرى المنتظرة تحقيقها ، ومن أهمها : الشراكة الوطنية ، وتطبيع الأوضاع ، وإعادة بناء المؤسسات الدستورية ، والتشريعية ، وحل القضايا السياسية ، والاجتماعية ، والاقتصادية ، وإعادة الاعمار ، وعودة المهاجرين ، ومتابعة تحقيق الخطوات لحل القضية الكردية بشكل نهائي انطلاقا من المرسوم التاريخي – ١٣ – لعام ٢٠٢٦ ، الذي دشن مرحلة جديدة للمستقبل الكردي السوري ، وذلك من خلال التحاور مع ممثلي الكرد وحركتهم الوطنية المنتخبين من المؤتمر الكردي السوري الجامع المأمول عقده بالعاصمة دمشق .
وكل الوفاء لشهداء ثورة الحرية والكرامة ، والتهاني للسوريين جميعا في ذكرى ثورتهم ، والتحية للشركاء المحررين في الإدارة الانتقالية بدمشق الذين اعادوا احياء الثورة المغدورة .