نوروز… حين تشتعل النار في الذاكرة الكوردية وتولد رسالة الحرية من جديد

ماهين شيخاني
مع اقتراب الحادي والعشرين من آذار من كل عام، تتجه أنظار ملايين الناس في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى إلى عيد عريق يحمل في طياته معاني التجدد والانبعاث. إنه نوروز، العيد الذي يحتفل به العديد من شعوب المنطقة باعتباره بداية الربيع وبداية عام جديد في الذاكرة الثقافية والحضارية. غير أن لهذا العيد معنى أعمق وأكثر خصوصية لدى الشعب الكوردي، إذ يتجاوز كونه مناسبة موسمية ليصبح رمزاً تاريخياً للحرية والكرامة والهوية.
وفي هذا العام، يكتسب نوروز بعداً إضافياً مع صدور قرار رسمي في سوريا يسمح بالاحتفال به للمرة الأولى بشكل علني بوصفه عيداً للشعب الكوردي، وهو تطور يحمل دلالات سياسية وثقافية عميقة في سياق تاريخ طويل من التهميش ومحاولات طمس الهوية الكوردية.
نوروز… أكثر من عيد
بالنسبة للشعوب التي تحتفل به، يمثل نوروز بداية دورة جديدة للحياة، حيث تتجدد الطبيعة ويحل الربيع بعد قسوة الشتاء. لكن لدى الكورد، يرتبط هذا العيد أيضاً بأسطورة تاريخية متجذرة في الوعي الشعبي، تتمثل في قصة البطل الأسطوري كاوا الحداد الذي قاد انتفاضة ضد الطاغية الضحاك، وأشعل النار على قمم الجبال إعلاناً لانتصار الحرية على الاستبداد.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت شعلة نوروز رمزاً للمقاومة والكرامة لدى الكورد. فهي ليست مجرد نار احتفالية، بل تعبير رمزي عن إرادة شعب حافظ على هويته رغم قرون من الصراعات والاضطهاد.
لهذا السبب، ظل نوروز بالنسبة للكورد عيداً قومياً وثقافياً في آن واحد، يحمل في ذاكرته الجماعية معاني الصمود والاستمرار.
نوروز هذا العام… رسالة في زمن التوتر
تأتي احتفالات نوروز هذا العام في ظل ظروف إقليمية معقدة، حيث يعيش الشرق الأوسط مرحلة من التوترات السياسية والعسكرية المتصاعدة، فيما تعاني شعوب عديدة من أزمات اقتصادية وأمنية خانقة.
في مثل هذا السياق، يتحول نوروز من مجرد احتفال شعبي إلى رسالة رمزية. رسالة تقول إن الحياة قادرة على أن تنتصر على الخوف، وإن الشعوب تستطيع أن تجد في تراثها الثقافي مصدر قوة وأمل.
بالنسبة للكورد، يحمل نوروز هذا العام أيضاً رسالة سياسية هادئة لكنها واضحة: أن الاعتراف بالهوية والثقافة الكوردية لم يعد أمراً يمكن تجاهله أو إنكاره، بل أصبح جزءاً من الواقع الاجتماعي والسياسي في المنطقة.
إن السماح بالاحتفال بهذا العيد بشكل علني في سوريا يعكس تحولاً مهماً في التعامل مع الثقافة الكوردية، ويشير إلى إمكانية بناء مستقبل أكثر اعترافاً بالتعددية الثقافية والهوية القومية لشعوب المنطقة.
المشاركة الشعبية… قوة الهوية
لا تكتسب احتفالات نوروز أهميتها من الطقوس أو المظاهر الاحتفالية فقط، بل من المشاركة الشعبية الواسعة التي ترافقها. فحين يجتمع الناس في الساحات والجبال لإشعال النيران وارتداء الأزياء التقليدية والغناء والرقص، فإنهم لا يحتفلون بالربيع فحسب، بل يجددون ارتباطهم بتاريخهم وهويتهم الجماعية.
وفي هذا العام تحديداً، تكتسب المشاركة الشعبية بعداً إضافياً. فهي تعبير عن وحدة المجتمع الكوردي وتماسكه، ورسالة سلمية تؤكد أن الثقافة والهوية لا يمكن إلغاؤهما أو تهميشهما.
كما أن هذه المشاركة تمنح نوروز طابعه الحقيقي بوصفه عيداً للشعب، لا مجرد مناسبة رسمية. فالقوة الحقيقية لهذا العيد تكمن في الناس الذين يحافظون عليه جيلاً بعد جيل.
نوروز… شعلة لا تنطفئ
في نهاية المطاف، يبقى نوروز أكثر من مجرد عيد تقليدي. إنه ذاكرة حية لشعوب المنطقة، ورمز ثقافي عميق يربط الماضي بالحاضر.
أما بالنسبة للشعب الكوردي، فهو لحظة سنوية يتجدد فيها الإيمان بأن التاريخ لا يتوقف، وأن شعلة الحرية التي أشعلها كاوا الحداد في الأسطورة القديمة ما زالت قادرة على إضاءة الطريق نحو المستقبل.
وهكذا، مع كل نوروز جديد، تتكرر الرسالة نفسها:
قد يطول الشتاء… لكن الربيع لا بد أن يأتي. . 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل اسماعيل   لا تُقاس مكانة الدول العظمى بعدد المعارك التي تربحها، بل بقدرتها على تحويل تلك الانتصارات العسكرية إلى مكاسب سياسية دائمة. والتاريخ مليء بأمثلة لدول خرجت متفوقة عسكريًا، لكنها فقدت مكانتها الدولية بسبب إخفاقها في تحقيق أهدافها السياسية. لقد دخل الاتحاد السوفيتي أفغانستان وهو إحدى أعظم القوى العسكرية في العالم، وحقق تفوقًا عسكريًا في معظم مراحل الحرب، لكنه…

حسن قاسم منذ عام 1957، مع تأسيس أول تنظيم سياسي قومي كوردي في سوريا حمل على عاتقه الدفاع عن الحقوق القومية للشعب الكوردي، وحتى اليوم، لم تشهد أدوات وأساليب النضال السياسي الكوردي التحول المطلوب الذي تفرضه طبيعة المرحلة. فعلى امتداد عقود طويلة، بقيت البنية التنظيمية للأحزاب الكوردية أسيرة أساليب تقليدية، بينما تغيّر العالم من حولها سياسياً وتقنياً واجتماعياً. هذه الجمودات…

نظام مير محمدي *   كلما اندلعت انتفاضة في إيران، وتعالت أصوات المطالبين بإسقاط الدكتاتورية الدينية، عادت إلى الواجهة محاولات لإحياء بقايا نظام الشاه وتقديمها بوصفها البديل السياسي للنظام القائم. ولم يعد هذا المشهد مجرد تزامن، بل أصبح نمطاً متكرراً كلما اشتدت الضغوط على نظام الملالي واتسعت دائرة الاحتجاجات الشعبية. هذه الظاهرة تكشف تقاطع مصالح بين طرفين يبدوان متخاصمين، لكنهما…

أعلن الكاتب والسياسي الكردي صلاح بدر الدين قرب صدور كتابه الجديد “الكرد في الثورة السورية” عن دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، والذي يتناول مشاركة الكرد في الثورة السورية منذ انطلاقها عام 2011 وحتى التطورات التي شهدتها سوريا أواخر عام 2024، وذلك وفق ما نشره موقع تلفزيون سوريا. ويعرض الكتاب، بحسب المؤلف، رؤية توثيقية لتجربة الكرد خلال سنوات الثورة، مسلطا الضوء…