حرب كسر العظام: هل يسقط النظام الإيراني أم ينجو من العاصفة؟

آزاد خليل *

بعد أسبوعين من اندلاع الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، بدأت ملامح الصراع تتضح، لكن نهايته ما زالت مفتوحة على احتمالات عديدة. ففي خضم العمليات العسكرية المتصاعدة، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب  إن النظام الإيراني «سيسقط في نهاية المطاف، لكنه ربما لا يسقط فوراً»، في إشارة إلى أن المعركة الحالية قد تكون بداية مسار طويل لإضعاف النظام وليس بالضرورة لحظة سقوطه المباشر.

هذا التصريح يلخص إلى حد كبير طبيعة الحرب الدائرة اليوم: حرب استنزاف استراتيجية، يتداخل فيها العسكري بالاقتصادي، والسياسي بالجيوسياسي، وتتحول فيها المنطقة إلى ساحة اختبار لإرادات القوى الكبرى.

ميزان القوة: الصواريخ الإيرانية ما زالت تتكلم

حتى اللحظة، لا يمكن القول إن إيران فقدت قدرتها على التأثير في مجريات الحرب. فطالما أن النظام الإيراني ما يزال قادراً على إطلاق الصواريخ الباليستية، فإنه يحتفظ بأداة ضغط عسكرية مؤثرة في مسار الصراع.

في الأيام الأولى للحرب، أطلقت إيران مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه أهداف إسرائيلية، في محاولة لإظهار قدرتها على الردع. لكن مع مرور الأيام وتكثيف الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية، تراجعت هذه القدرة بشكل ملحوظ. فبحسب التقديرات العسكرية، كانت طهران تطلق ما يقارب 200 صاروخ باليستي يومياً في بداية الحرب، إضافة إلى مئات المسيّرات، قبل أن ينخفض العدد إلى نحو عشرة صواريخ فقط في بعض الأيام.

هذا التراجع يعكس حجم الضربات التي تعرضت لها البنية العسكرية الإيرانية، خصوصاً مواقع إطلاق الصواريخ ومخازنها ومنصاتها المتحركة. فقد استهدفت الغارات الجوية آلاف المواقع العسكرية داخل إيران، في محاولة لتفكيك قدرتها الصاروخية تدريجياً وإضعاف قدرتها على الرد.

لكن رغم ذلك، فإن مجرد استمرار إطلاق الصواريخ يعني أن الحرب لم تحسم بعد، وأن إيران ما زالت تملك أوراقاً يمكنها استخدامها في معركة طويلة.

القرار في تل أبيب

في الواقع، لا يقتصر قرار إنهاء الحرب على واشنطن وحدها. فإسرائيل، بقيادة رئيس الوزراء Benjamin Netanyahu، تبدو مصممة على مواصلة العمليات العسكرية حتى تحقيق أهداف استراتيجية أعمق.

ورغم الأضرار التي لحقت ببعض المدن الإسرائيلية نتيجة الصواريخ الإيرانية، فإن القيادة الإسرائيلية تدرك أن وقف الحرب الآن قد يعني ببساطة تأجيل مواجهة أكبر في المستقبل.

السيناريو الأكثر خطورة بالنسبة لإسرائيل يتمثل في احتمال أن تتمكن إيران من إعادة بناء برنامجها النووي وتسريع تخصيب اليورانيوم، ما قد يقود في نهاية المطاف إلى امتلاك قنبلة نووية. مثل هذا التحول سيغير ميزان القوى في الشرق الأوسط جذرياً، وقد يضع إسرائيل أمام تهديد وجودي غير مسبوق.

لهذا السبب، يبدو أن تل أبيب تراهن على استراتيجية واضحة: إضعاف النظام الإيراني إلى الحد الذي يجعله عاجزاً عن إعادة بناء قدراته العسكرية أو النووية في المدى القريب.

الحرب الجوية: استراتيجية الاستنزاف

حتى الآن، تعتمد الولايات المتحدة وإسرائيل بشكل أساسي على القوة الجوية. الضربات الجوية المكثفة تستهدف البنية العسكرية الإيرانية ومراكز القيادة ومخازن الصواريخ ومنشآت الدفاع الجوي.

لكن خبراء عسكريين يشيرون إلى أن القوة الجوية وحدها نادراً ما تؤدي إلى إسقاط الأنظمة السياسية، إلا إذا ترافق ذلك مع انهيار داخلي أو تمرد شعبي واسع.

وهنا تظهر المعضلة الأساسية في هذه الحرب: هل يمكن أن يؤدي الضغط العسكري الخارجي إلى انهيار النظام من الداخل؟

حتى الآن، لا توجد مؤشرات واضحة على ذلك.

الورقة الاقتصادية: مضيق هرمز

في المقابل، تحاول طهران نقل المعركة إلى مستوى آخر: الاقتصاد العالمي.

إحدى أهم الأوراق التي يملكها النظام الإيراني هي التهديد بإغلاق Strait of Hormuz، وهو الممر البحري الذي يعبر عبره نحو ربع تجارة النفط العالمية.

إغلاق هذا المضيق – أو حتى تعطيل حركة الملاحة فيه – قد يؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط عالمياً، ما سيؤثر مباشرة في الاقتصاد العالمي، خصوصاً في أوروبا والولايات المتحدة.

أي ارتفاع حاد في أسعار الطاقة سيؤدي بدوره إلى زيادة التضخم وارتفاع أسعار السلع، وهو ما قد يخلق ضغطاً سياسياً داخل الدول الغربية لإنهاء الحرب سريعاً.

بعبارة أخرى، إذا كانت إسرائيل والولايات المتحدة تستخدمان القوة العسكرية لإضعاف إيران، فإن طهران تحاول استخدام الاقتصاد العالمي كسلاح مضاد.

كلفة الحرب على إسرائيل

لكن الحرب ليست بلا كلفة بالنسبة لإسرائيل أيضاً. فالعمليات العسكرية اليومية، بما في ذلك الضربات الجوية والدفاعات الصاروخية، تكلف الاقتصاد الإسرائيلي ملايين الدولارات.

كما أن استمرار حالة الطوارئ يفرض قيوداً كبيرة على الحياة الاقتصادية. فقد توقفت حركة الطيران في فترات معينة، وتراجعت حركة التجارة والسياحة، واضطر ملايين الإسرائيليين إلى قضاء ساعات طويلة في الملاجئ.

هذه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد تتحول مع مرور الوقت إلى عامل ضغط سياسي داخلي على الحكومة الإسرائيلية، خصوصاً إذا طال أمد الحرب.

المجتمع الدولي: دعوات للحوار و وقف الحرب 

في الوقت ذاته، تدعو قوى دولية كبرى مثل Russia وChina إلى وقف التصعيد والعودة إلى طاولة المفاوضات.

لكن إسرائيل تبدو غير مقتنعة بأن الحوار يمكن أن يحقق أهدافها في هذه المرحلة. فاستراتيجيتها الحالية تقوم على إضعاف النظام الإيراني إلى أقصى حد ممكن، على أمل أن يؤدي ذلك إلى انفجار داخلي أو إلى صعود قوى معارضة قادرة على تغيير النظام.

أما إدارة Donald Trump فتبدو معنية أيضاً بالخروج من الحرب بنتيجة واضحة، تحفظ لها صورة الانتصار السياسي والعسكري، خاصة في ظل الجدل الداخلي داخل الولايات المتحدة حول كلفة هذه الحرب وأهدافها.

هل يسقط النظام؟

بعد مرور نحو أسبوعين على اندلاع الحرب، يبقى السؤال الأكبر: هل يمكن أن يؤدي هذا الصراع إلى سقوط النظام الإيراني؟

التاريخ يشير إلى أن الأنظمة القوية نادراً ما تسقط فقط بسبب الضربات الخارجية. غالباً ما يحدث التغيير الحقيقي عندما يترافق الضغط الخارجي مع حراك شعبي واسع داخل البلاد.

إيران دولة حكمها النظام الحالي منذ الثورة الإسلامية عام 1979، أي منذ ما يقارب نصف قرن. وخلال هذه العقود، واجه النظام أزمات داخلية عديدة، لكنه تمكن في كل مرة من البقاء.

لكن الحرب الحالية مختلفة من حيث الحجم والضغوط. فإلى جانب الضربات العسكرية غير المسبوقة، تعاني إيران من أزمة اقتصادية عميقة وعقوبات دولية خانقة.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل ستتحول هذه الضغوط إلى شرارة تدفع الشارع الإيراني إلى التمرد؟

حتى الآن، لا توجد إجابة واضحة.

لكن المؤكد أن الأيام والأسابيع القادمة قد تكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه الحرب مجرد فصل جديد في صراع طويل، أم بداية النهاية لنظام حكم استمر أكثر من أربعة عقود.

* كاتب وباحث سياسي

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين في ذكرى يوم مولده في ١٤ آذار ( ١٩٠٣ – ١٩٧٩ ) أعلن مايلي للأجيال القادمة: 1- التقيت بالزعيم الراحل بمرحلتي الثورة عام 1967 ، والحكم الذاتي لعام 1970 ، وقضيت بقربه اياما وشهورا. 2- كان لي الشرف ببناء العلاقة الاولى مع سيادته بعد كونفراس الخامس من آب 1965 وانبثاق اليسار ، ووضعه بصورة ما يجري ببلادنا سوريا…

التقى وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا بالسيدة Chloé Ridel“ممثلة الحزب الاشتراكي الفرنسي في البرلمان الأوروبي ،مسؤولة عن ملف السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي ضمن لجنة الشؤون الخارجية (AFET)، وعضو في اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان (DROI) والمسؤولة عن قسم الإغاثة في الاتحاد الأوروبي . وضم الوفد كلًا من عبد الكريم حاجي رئيس ممثلية أوروبا، ومحمد أمين عمر…

نورالدين عمر وفق رؤية الدكتور عبد الحكيم بشار، يبدو أن كل من سقط من الفصائل السورية بمختلف مسمياتها هم “شهداء” بذريعة مقارعة النظام، باستثناء شهداء الكرد الذين أُخرجوا من دائرة الخدمة للقضية الكردية. وهنا نجد أنفسنا أمام مفارقة صادمة؛ فهل يعقل أن يمنح لقب الشهادة لمن قتل في نزاعات الفصائل الداخلية، أو في معارك النهب والسلب ضد المدنيين الكرد، أو…

عبد الرحمن كلو   أولاً: بين المُعلَن والواقع الميداني شهدت الساحة السورية في الثلاثين من يناير 2026 إعلانَ اتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، برعاية أمريكية وفرنسية وبمشاركة إقليم كوردستان العراق. قُدِّم هذا الاتفاق بوصفه خطوةً سياسية أمنية تستهدف إنهاء حالة الاشتباك المسلح ونزع فتيل صاعق التفجير، ومن ثم تفكيك الاحتقان المجتمعي المتراكم في المنطقة، وفتح مسارات السلم…