خالد جميل محمد
لم يَعُدِ الترويجِ للقُبحِ أمراً عَارِضاً، بل بات ظاهرةً ومقياسَ عصرٍ ينتشي بفسادِه، ويتباهى بالزيف والنِّتاجات الردئية، (في الأخلاق، السياسة، العلاقات، الأدب، الكتابة، الفنّ، الثقافة والإعلام..)، ويكافئ منتجي القُبحِ الماضِين في تدمير قيم الجَمال الحقيقي، جملةً وتفصيلاً، حتى صار منتجو الجَمال الحقيقي يشعرون بالخجل ممّا لديهم من إبداع ثمين، ويُفرَض عليهم التواري لِئَلّا يكونوا عرضة للاستخفاف بهم ونبذهم وتحقيرهم واتهامهم بالتخلف والرجعية، فيَنــزَوُون بعيداً منعزلين، حفاظاً على سلامة روحهم وعقلهم وقيَمهم السامية. ولا يختلف ذلك عن الترويج للمخدّرات والممنوعات والانتهاكات المختلفة والموادّ السامّة القاتلة للإنسان والمجتمع والحاضر والمستقبل، فهي أيضاً تتغلغل في الروح والجسد والأخلاق، وتنهشها جميعاً.
نعيش مشهداً، يكون فيه ذوو القِيَم النبيلة في الظلِّ وظلمة التهميش والإهمال غالباً، وغالباً أيضاً، يتصدر الساحة أشخاصٌ متسلقون، مدَّعون، متملِّقون، منافقون، يعملون بخلاف ما يقولون، ويمارسون أفعالاً تضادُّ ما فيه يُنظِّرون، فينادون بالحق، وينتهكون الحقوق، وينادون بالحرية ويقيدون حريات الآخَرين، ومتميزون بكل صفات الفساد الأخلاقي والمهني والفكري، دون أن يَكبح وحشيَّتَهم أيُّ رادع، خاصة أنّ قوانين هذا الزمن تخدمهم.
بعد أن كان للجمال حضور، صارت الساحة غنيةً بأغنيات لا علاقة لها بالفن، لحناً وكلماتٍ وأداءً ورسالةً فنيةً وجَمالية، فتأتي منصاتٌ تفتح أبواب الشهرة لها لتكون منابر لتلك النتاجات السخيفة البذيئة. وتنتشر صيغٌ رديئة من الصخب المصاحب لنتاجات تُتَسمى بـ(الأدبية) وغيرها، وهي تفتقر إلى أبسط مقومات الأدب والأدبية، فتتجنّد للترويج لها جهات سياسية أو إعلامية، أو تجد لنفسها مكاناً لائقاً على صفحات التواصل الاجتماعي، حيث تتقبّلها، بحماسةٍ وشغفٍ وانبهارٍ، أذواقٌ سَقيمةٌ.
في هذه الحالة/ الكارثة، يبدو التمسكُ بالأملِ والتفاؤلِ بِغَدٍ أفضلَ أو بإمكانِ إصلاح محتمَلٍ، ضَرباً من مثالية عليلةٍ وسذاجة تافهةٍ، وأوهامٍ مخادِعة، وقد يكون نوعاً من حماقةٍ “أعيت من يُداويها”، ولا تزال وقد تبقى وتستمرُّ، ما لم تكن هناك قوةٌ رادعةٌ، تدعمها سلطةٌ قويةٌ صادقةٌ وحريصةٌ فعلاً، لا شكلاً ولا قولاً ولا شعاراتٍ خاويةً فحسبُ، على إنقاذ ما دمّرته المؤسسات الفاسدة مع الأفراد الفاسدين، وساهم في تدميره كثيرٌ من أبناءِ الوطنِ وأوليائِه، قَبْلَ أعدائِه، حتى بلغَ المجتمعُ طريقاً مسدوداً يتعذَّر فيه العلاج ويستحيل فيه طرحُ أيِّ مبادرة سليمة وجادّة للخلاص. وحدها سلطة نقدية وسياسية وإدارية صادقة وأمينة، يمكن أن تنجح في ردع هذا الخراب، وسدّ أبواب الانتشار أمامه.