عبدالرحمن كلو
نسعى في هذا المقال إلى تقديم مقاربة جيوسياسية مقارنة بين مسارين إقليميين متقاربين زمنياً ومتباينين بنيوياً. يتمثل المسار الأول في التجربة السورية منذ عام 2011 وما أفرزته من أنماط تدخل إقليمي، ولا سيما التدخل التركي وانعكاساته على مسار القضية الكوردية. أما المسار الثاني فيتعلق بإيران في ظل التحولات الراهنة وما قد تفتحه من سيناريوهات محتملة لمستقبل الدولة الإيرانية والمسألة الكوردية فيها.
وانطلاقاً من السلوك التركي في الساحة السورية— حيث تدخلت أنقرة بصورة مباشرة وغير مباشرة لتوجيه مآلات المسألة الكوردية بما يخدم محددات” أمنها القومي” — لذا من الأهمية بمكان مناقشة سلوك الدولة التركية التي تراقب عن كثب ديناميكيات الوضع الكوردي في إيران، ومن المرجح أن تذهب بإتجاه التدخل المباشر للتأثير في مساراته المحتملة عبر توظيف حزب العمال الكردستاني الـ PKK في هذا المسعى، من خلال ورقة حزب الحياة الحرة الكوردستاني (PJAK) الجناح الإيراني لهذا الحزب ، في محاولة منه استنساخ بعضا من أنماط تدخلها الاستراتيجي التي اختبرتها سابقاً في الساحة السورية.
غير أن محاولة تركيا إسقاط النموذج السوري في إيران لا تبدو بالأمر اليسير؛ إذ إن اختلاف البنى التنظيمية للحركة السياسية الكوردية في شرقي كوردستان، وتعقيدات الجغرافيا الجبلية، وتبدل السياق الإقليمي والدولي، كلها عوامل تجعل نتائج هذا المسار مختلفة جذرياً عمّا شهدته الساحة السورية.
ومن هنا يأتي السؤال المركزي الأهم : هل تستطيع تركيا إعادة إنتاج أدواتها السورية في شرقي كوردستان؟ أم أن الخصوصية التنظيمية والجغرافية وممانعات الحالة الكوردية الإيرانية ستجعل من هذا المسارمحدودة النتائج إن لم يكن التخطي مستحيلا ؟
أولاً: التحول الإيراني كمتغير جيوسياسي
تشير التطورات الجارية في البيئة الإقليمية، على خلفية الحرب الحالية التي تقودها الولايات المتحدة وحلفاؤها ضد إيران، إلى احتمال دخول النظام الإيراني مرحلة تحول عميق تتجاوز المساومات التفاوضية أو تعديل سياساته التسليحية أو النووية أو طبيعة علاقاته الإقليمية. فحتى في حال قبول طهران بكل الشروط الأمريكية والإسرائيلية ، فإن عامل انعدام الثقة المتراكم بين إيران و الأطراف الأخرى يجعل من سيناريو بقاء النظام السياسي الإيراني ” نظام الثورة” أمرًا أقرب إلى المستحيل لأن حالة الحرب اظهرت عدوانية إيران لكل دول وشعوب المنطقة دون إستثناء ولهذا فإن تغيير نظام الحكم هو الاحتمال الأقرب وفق الحسابات الأمريكية والعربية الإقليمية .
وعند هذا السيناريو سوف تدخل إيران مرحلة انتقال تاريخي من نموذج الدولة الثورية الأيديولوجية ” الثورة” التي تأسست بعد عام 1979 إلى نموذج أقرب إلى نموذح الدولة المؤسساتية التقليدية داخل النظام الدولي ” الدولة ” ، بما قد يفتح المجال أمام خيارات سياسية جديدة، من بينها نماذج حكم أكثر مدنية أو تعددية مقارنة بالمرحلة السابقة.
ويمثل مثل هذا التحول المحتمل متغيراً جيوسياسياً مهماً في الشرق الأوسط، لأنه سيعيد فتح ملف العلاقة بين طهران والشعوب الإيرانية غير الفارسية مثل الكورد والأذريين والبلوش والعرب، والمراحل الانتقالية في بنية الدولة غالباً ما تؤسس فرصاً جديدة لحركات التحرر الوطني لإعادة طرح مطالبها السياسية ضمن أطر دستورية أو سياسية مختلفة.
ضمن هذا السياق، تبدو تركيا من أكثر الدول التي تراقب هذه التحولات بحساسية عالية. فأنقرة تنظر إلى المسألة الكوردية باعتبارها قضية عابرة للحدود يمتد حضورها الجغرافي والسياسي عبر تركيا والعراق وسوريا وإيران. ولذلك فإن أي تحول سياسي في إيران يفتح المجال أمام ترتيبات ديمقراطية أو لامركزية جديدة قد ينعكس بصورة مباشرة على توازنات الحالة السياسية في الداخل التركي نفسه الذي يعاني من الهشاشة والتصدع أصلا على خلفية الصراع على السلطة من جهة وبخصوص الملف الكوردي ثانيا، وهو ما يفسر جانباً مهماً من القلق التركي تجاه مستقبل شرقي كوردستان.
ثانياً: التجربة السورية كنموذج مرجعي
لفهم الحسابات التركية تجاه التحولات المحتملة في إيران، من الضروري العودة إلى التجربة السورية خلال العقد الماضي.
فمع بدء انهيار بنية الدولة السورية في أجزاء واسعة من البلاد بعد عام 2011، ظهرت في أطراف الجغرافيا السورية مناطق نفوذ عسكرية خاضعة لتأثير قوى إقليمية ودولية، أُديرت في كثير من الأحيان عبر ميليشيات وفصائل مسلحة بالوكالة. وفي شمال البلاد تحديداً، تحولت المجموعات المسلحة المرتبطة بمنظومة حزب العمال الكوردستاني (PKK)—بدعم واستثمار أمريكي—إلى بنية عسكرية شبه نظامية تمثلت في قوات سوريا الديمقراطية ” قسد ” .
وقد تشكلت هذه البنية في سياق الحرب على تنظيم داعش ضمن إطار التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، إلا أنها تحولت تدريجياً إلى إطار إداري–أمني ميداني يركز على إدارة واستثمار المناطق الكوردية أكثر من كونه مشروعاً سياسياً متكاملاً لمعالجة المسألة الكوردية في سوريا.
كما أن الولايات المتحدة، التي أشرفت على بناء هذا الكيان العسكري ودمجه في عمليات التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، ساهمت بصورة مباشرة في تثبيت هذا النموذج بوصفه أحد أدوات إدارة الصراع في شمال شرق سوريا.
ومع مرور الوقت، دخلت القضية الكوردية في غربي كوردستان في مسار سياسي جديد مختلف تماما عن التوصيف السياسي التقليدي لكورد سوريا، تمحور حول البنية العسكرية–الإدارية التي تمثلت في “قسد”، تحت عنوان جغرافي هو “شمال شرق سوريا” وضمن خطاب سياسي وأيديولوجي قائم على مفهوم “أخوة الشعوب”. وقد أدى ذلك إلى إدخال الحالة الكوردية في معادلة صراع الإرادات الإقليمية والدولية، بحيث تحولت—بدلاً من أن تكون أحد محاور الحلول الوطنية الديمقراطية للأزمة السورية—إلى جزء من إدارة الأزمة نفسها.
وفي هذا السياق، لم تعد القضية الكوردية تتموضع بصورة واضحة في إطار الدفاع عن الحقوق القومية المشروعة للشعب الكوردي بوصفها أحد عناصر بناء الدولة السورية الجديدة، بل أصبحت مرتبطة بتوازنات الصراع الإقليمي والدولي الذي تشكل حول الجغرافيا السورية خلال سنوات الحرب.
ثالثاً: ورقة PJAK وإشكالية التوجيه الأيديولوجي
في حال شهدت إيران تحولات سياسية عميقة، قد تسعى تركيا إلى منع تشكل أي كيان سياسي كوردي مستقل عبر التأثير في المشهد الكوردي من الداخل. وفي هذا السياق يبرز حزب الحياة الحرة الكوردستاني (PJAK)، بوصفه الجناح الإيراني المرتبط تنظيمياً وأيديولوجياً بمنظومة حزب العمال الكوردستاني (PKK)، كأحد الفاعلين المحتملين في المعادلة الكوردية داخل إيران.
وتكتسب هذه الورقة أهمية خاصة في ضوء الطبيعة التنظيمية والأيديولوجية التي تحكم العلاقة بين فروع منظومة PKK في الجغرافيا الكوردستانية المختلفة، حيث غالباً ما تتأثر توجهات هذه الفروع بالخطاب السياسي والفكري الصادر عن القيادة المركزية للحركة.
وفي هذا السياق، نقلت وفود سياسية من سجن إيمرالي خلال الفترة الأخيرة مضامين رسائل منسوبة لعبد الله أوجلان تناولت المسألة الكوردية في إيران من زاوية مختلفة عن الخطاب القومي الكوردي التقليدي، وقد تداولت وسائل إعلام مختلفة هذه الرسائل بوصفها مؤشرات على توجهات سياسية جديدة داخل منظومة الحركة.
ووفق ما نُقل عن هذه الرسائل، فإن أوجلان حذّر من أن دعم مشروع قومي كوردي في إيران برعاية غربية قد يؤدي إلى إشعال صراع إقليمي واسع وتمزيق النسيج المجتمعي في المنطقة.
وفي هذا الإطار تُفهم هذه المواقف بوصفها دعوة إلى تجنب التعاون مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية في أي مشروع سياسي كوردي داخل إيران، مع التأكيد على ضرورة الحفاظ على وحدة الدولة الإيرانية وتجنب إدخال المسألة الكوردية في صراعات إقليمية أوسع.
رابعاً: خصوصية الحركة الكوردية في إيران
تختلف الحركة السياسية الكوردية في إيران عن نظيرتها في سوريا في عدد من الجوانب البنيوية التي تجعل المقارنة بين الحالتين أكثر تعقيداً مما قد يبدو للوهلة الأولى.
فالأحزاب الكوردية الإيرانية تمتلك تاريخاً طويلاً من التنظيم والنضال السياسي والعسكري يعود إلى عقود عديدة، وقد تشكلت في سياقات تاريخية وسياسية مختلفة عن تلك التي أنتجت البنية العسكرية–السياسية في شمال سوريا خلال سنوات الحرب. كما تمتلك هذه الأحزاب قوات بيشمركة منظمة وقواعد اجتماعية متجذرة داخل المجتمع الكوردي، إضافة إلى خبرة طويلة في العمل ضمن بيئة سياسية وأمنية معقدة داخل الدولة الإيرانية.
وتعني هذه الخلفية التاريخية والتنظيمية أن الحركة الكوردية في إيران لم تنشأ بوصفها نتاجاً مباشراً لمرحلة انهيار الدولة أو لإدارة الصراعات الإقليمية، بل تشكلت عبر مسار طويل من العمل السياسي والتنظيمي.
وفي مثل هذه الحالات الانتقالية، غالباً ما تميل موازين القوة الداخلية إلى الجهات الأكثر تنظيماً سياسياً وعسكرياً، وهو ما قد يمنح القوى الكوردية في إيران موقعاً مختلفاً في أي ترتيبات سياسية مستقبلية.
كما أن تجربة كورد سوريا خلال العقد الماضي قدمت مثالاً عملياً على المخاطر المرتبطة بتحويل القضية الكوردية إلى ساحة صراع بين القوى الإقليمية والدولية. وقد أسهمت هذه التجربة في تعزيز الوعي لدى القوى السياسية الكوردية في إيران بأهمية تجنب الوقوع في معادلات الصراع الإقليمي التي قد تؤدي إلى إضعاف المشروع السياسي الكوردي بدلاً من تعزيزه.
خامساً: اختلاف السياق الدولي
يختلف السياق الدولي للحالة الإيرانية بصورة واضحة عن السياق الذي تشكلت ضمنه التجربة السورية خلال العقد الماضي.
ففي الحالة السورية جاء التدخل العسكري الأمريكي أساساً ضمن إطار الحرب على تنظيم داعش، حيث شكّل صعود التنظيم تهديداً أمنياً عابراً للحدود دفع الولايات المتحدة إلى بناء تحالف دولي واسع لمكافحة الإرهاب. وقد أتاح هذا السياق الأمني ظهور تحالفات عسكرية محلية مؤقتة، كان من بينها التعاون مع “قوات سوريا الديمقراطية” في شمال سوريا.
أما في الحالة الإيرانية، فإن أي تحول سياسي محتمل لن يكون مرتبطاً بمواجهة تهديد أمني عابر مثل تنظيم داعش، بل بمستقبل النظام السياسي الإيراني نفسه وخطورة هذا النظام على منطقة الشرق الأوسط وعلى الأمن العالمي برمته . وهذا يعني أن طبيعة التفاعل الدولي مع الحالة الإيرانية ستتحدد في إطار ترتيبات سياسية واستراتيجية أوسع تتعلق بإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.
كما أن غياب عامل مثل تنظيم داعش في الحالة الإيرانية يعني أن البيئة السياسية التي سمحت بظهور تحالفات عسكرية مشابهة لتلك التي تشكلت في سوريا لن تتكرر بالطريقة نفسها، وهو ما يجعل إعادة إنتاج النموذج السوري في شرق كوردستان أكثر تعقيداً إن لم يكن مستحيلا .
سادساً: العامل الجغرافي
تلعب الجغرافيا دوراً حاسماً في تحديد مسار الصراعات المسلحة وفي طبيعة السيطرة الميدانية على الأرض. ففي حين اتسمت أجزاء واسعة من شمال سوريا ببيئة جغرافية مفتوحة نسبياً سمحت بتمدد القوى العسكرية المختلفة وبناء مناطق نفوذ واسعة خلال سنوات الحرب، تتميز المناطق الكوردية في شرق كوردستان بطبيعة جبلية معقدة ومتداخلة.
وتجعل هذه الخصائص الجغرافية من عمليات التمدد العسكري السريع أو فرض السيطرة الميدانية الشاملة أمراً أكثر صعوبة مقارنة بما حدث في شمال سوريا. كما أن هذه البيئة الجبلية تمنح القوى المحلية خبرة أكبر في إدارة الصراع ضمن جغرافيا معقدة، وهو ما يضيف عاملاً إضافياً يحدّ من إمكانية إعادة إنتاج النموذج السوري في الحالة الإيرانية.
السيناريوهات المستقبلية
في ضوء المعطيات السياسية والميدانية المرتبطة بالحرب الجارية ضد إيران، يبدو أن مسار الأحداث يتجه بدرجة كبيرة نحو سيناريو إضعاف النظام الإيراني بصورة جوهرية أو تغييره. فسنوات طويلة من انعدام الثقة المتراكمة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى تجعل من احتمال العودة إلى ترتيبات سياسية مستقرة مع النظام الحالي خياراً محدوداً.
وانطلاقاً من ذلك، فإن السيناريوهات المستقبلية المتعلقة بالمسألة الكوردية في إيران تبدو مرتبطة أساساً بمرحلة ما بعد النظام أو بمرحلة إضعافه الشديد، وهو ما يضيق نطاق الاحتمالات الممكنة ويعيد تشكيل البيئة السياسية داخل البلاد.
● سيناريو بقاء النظام وإعادة تشكيل الدولة واحتواء المطالب الكوردية وفق ترتيبات وإملاءات دولية .
في هذا السيناريو قد تنشأ في إيران بنية سياسية جديدة—أو نظام ضعيف يعاد تشكيله—يسعى إلى احتواء المطالب الكوردية ضمن إطار إصلاحات سياسية أو ترتيبات إدارية محدودة، بما يسمح بإدارة التوترات القومية وضبطها بإرادة أمريكية دون السماح بتطورها إلى مشروع سياسي كوردي مستقل بملامح واضحة.
● سيناريو حالة الاضطراب السياسي غير المستقر.
في حال دخول إيران مرحلة انتقال سياسي غير مستقرة، قد تشهد المناطق الكوردية توترات وصراعات محلية مع الترك في أذربيجان ومع PJAK في صراعات بينية تديرها تركيا نتيجة تدخلها بشكل مباشر سعيا منها إلى التأثير في مسار التحولات داخل البلاد.
● سيناريو ما بعد سقوط النظام أو سيناريو الصعود السياسي الكوردي وهو السيناريو الأرجح
في حال حدوث تحول سياسي عميق في بنية الدولة الإيرانية مثل تغيير نظام الحكم ، فقد تظهر فرصة لبلورة مشروع سياسي كوردي أكثر تنظيماً، وبمعالم وطنية كوردستانية واضحة مستنداً إلى البنية التنظيمية والتاريخية للحركة الكوردية في إيران، وهو ما قد يمنح القوى الكوردية موقعاً مؤثراً في أي ترتيبات سياسية جديدة داخل إيران ” الدولة” .
[ ملاحظات استراتيجية ]
لا يمكن فهم الحساسية الإقليمية للمسألة الكوردية في إيران بمعزل عن جذورها التاريخية. ففي عام 1946 أُعلنت جمهورية كوردستان الديمقراطية بقيادة القاضي محمد، واتخذت من مدينة مهاباد عاصمة لها، في واحدة من أبرز المحاولات المبكرة لتأسيس كيان سياسي كوردي حديث في إيران.
ورغم أن هذه التجربة لم تدم سنة واحدة قبل أن تُسقطها الدولة الإيرانية آنذاك، إلا أنها بقيت حاضرة في الذاكرة السياسية الكوردية بوصفها سابقة تاريخية تؤكد قابلية المسألة الكوردية في إيران للحياة والتحول إلى مشروع سياسي في لحظات التحول الإقليمي.
والمعطيات الحالية تشير إلى أن التحولات المحتملة في إيران قد تفتح مرحلة جديدة في تطور المسألة الكوردية في المنطقة. ومع ذلك، فإن محاولة استنساخ النموذج السوري في شرقي كوردستان تواجه قيوداً بنيوية وسياسية تجعل فرص نجاحها شبه معدومة.
غير أن انخفاض احتمال النجاح لا يلغي المخاطر المحتملة، إذ قد تؤدي محاولات التدخل غير المباشر إلى صراعات دامية ومكلفة إنسانياً حتى وإن لم تحقق أهدافها الاستراتيجية.