الأخوّة والمواطنة والدمج.. نريدها شراكة حقيقية

م.محفوظ رشيد

بات مرفوضاً تماماً الطلب من الكوردي الخروج من جلده القومي، والتنازل عن حقه الطبيعي وحلمه المشروع..، حتى يثبت لشركائه في الوطن أنه مواطن صالح ومخلص وغير انفصالي ..
ولم يعد صحيحاً النظر للكورد وفق مقولة الشاعر معن بسيسو:”انتصر القائد صلاح الدين الأيوبي فهو بطل عربي ولو انهزم فهو عميل كوردي”.
ولم يعد جائزاً اعتبار الكوردي من أهل البيت مشروطاً بألا يلمس غرضاً أو يستعمل أثاثاً أو يحتل حيزاً أو يأكل زاداً أو…إلخ.
ولم يعد مشروعاً وجائزاً زجّ الكوردي وقوداً في حروب الغير، الذين أرادوها دفاعاً عن أمجادهم و كياناتهم و مصالحهم .. وليس للكوردي فيها ناقة ولا جمل.
ولم يعد مضطراً أن يتآخى الكوردي ويتحد مع آخر (من غير جلدته) مهما كانت صفته قبل أن يحدد التخوم والشروط معه في الحقوق والواجبات.
فلم يعد مقبولاً أبداً استغباء الكوردي على طريقة الجندي “حمد” الذي رفض أمر الضابط بالجلوس في الصفوف الخلفية حين الفقص والرقص (الاحتفال) طالما كان يؤمر بالوقوف في الصفوف الأمامية أثناء الفقع والطقع (القتال).
ولم يعد معقولاً أن يحرم الكوردي من حلمه الكوردستاني التاريخي الحقيقي، في الوقت الذي ينصر العربي والفارسي والتركي أبناء جلدتهم ويؤازرونهم أينما حلوا ورحلوا من أقصى أصقاع الأرض إلى أقصاها بشتى الأساليب والسبل.
ولم يعد سليماً ولائقاً التعامل مع الكوردي وفق النموذج التركي باعتباره من أتراك الجبال كما يراه الأتاتوركيون الشوفينيون، أو أخوة في الدين والمواطنة التركية كما يرغبه الأردوغانيون الاسلاميون، ولا النموذج الصدامي الفاشي الذي كان يعتبر كل عراقي عربي وبعثي، ولا النموذج الإيراني الأصولي الذي يعتبر الكوردي من عرقهم الآري، ويطلب منه الرزوح تحت نير الامبراطورية الفارسية بغطاء ديني طائفي وزعامة مطلقة للولي الفقيه.
بموجب النماذج السابقة عرضها اُستغل (بضم الهمزة) الكورد في تثبيت سيطرة القوميات السائدة وتوسيع رقعة دولها وتوطيد أركانها بذريعة تحرير المقدسات والدفاع عن الأوطان والأديان ..، من الغزو التتري القادم من آسيا، أو الحملة الصليبية العاتية من الغرب، أو الخطر الشيوعي المحدق من الشرق، أو الخطر الاسرائيلي الصهيوني المهدد من العمق …!!، ومُنعوا من تأسيس كيان قومي مستقل خاص بهم (لأسباب انتقامية، أو أمنية، أوعنصرية، أو استعمارية..)، يوحد أرضهم ويجمع شملهم أسوة بباقي شعوب المنطقة والمعمورة (حيث يعتبر الكورد أكبر أمة في العالم بدون كيان مستقل)، بالرغم من امتلاكهم لكل المقومات والمستلزمات، كما كانوا أسياداً وأحراراً في مملكاتهم وإماراتهم ودولهم كالميديين والميتانيين منذ ما قبل الميلاد … وحتى عهد البدرخانيين، إلى أن طالتهم يد الغدر ولعنة التقسيم، أولها بعد معركة جالديران 1514م بين العثمانيين والصفويين، ومعاهدة لوزان 1923 الغادرة، وآخرها معاهدة سايكس بيكو 1916م المشؤومة، التي رسمت بموجبها حدوداً، وأنشئت دولاً اقتسمت كوردستان فأصبحت تحت سيطرة القوميات السائدة فيها، وجُرد الكورد من جميع حقوقهم القومية والوطنية والانسانية..، والتي أمست عرضة للمساومات والتوازنات الدولية والاقليمية والمحلية، ورهينة للاعتبارات الدينية والمذهبية، وأسيرة للايديولوجيات والمفاهيم الوطنية والقومية والأممية …، يصطدم المطالبون بتلك الحقوق دوماً بالنفي أو بالرفض أو القمع أو التأجيل أو الانكار.. أو الإعتراف الخجول في أفضل الأحوال.. بالرغم من الظروف والأوضاع الدولية، ومفاهيم الحرية والديموقراطية والسلام.. التي تتجاوز الحدود والحواجز… بفضل العولمة وتقنياتها الدقيقة والحديثة.
فما زالت هذه الآراء والرؤى – الاقصائية والوصائية والاستعلائية – معشعشة في أذهان وسلوك معظم رجال الفكر والسياسة والقانون والدين .. من هذه القوميات السائدة، حيث يطالبون الكورد بالتخلي عن حقوقهم القومية لحماية الدول التي ألحقوا بها (إكراهاً ودون استشارتهم) باسم الوحدة الوطنية والأخوة في الوطن والدين والطائفة..، والرفاقية في الأفكار والأيديولوجيات.
فالحوارات الماراثونية مستمرة (بمشقة وتوجس وريبة..) بين أطراف وممثلين عن الحركة الكوردية من جهة، والقوى السياسية السورية المعارضة (الاسلامية والقومية والماركسية..) ومن جهة أخرى، منذ الشروع بتأسيس إعلان دمشق وجبهة الخلاص ومؤتمر التغيير في أنطاكيا وإلى الاجتماع التأسيسي لهيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الوطني الديمقراطي في سورية مؤخراً، حول الاعتراف بالوجود الكوردي (أرضاً وشعباً) وحل قضيته القومية دستورياً ضمن الوطن السوري الموحد بسبب الفيتو أو التحفظ أو التشكيك .. المعلن من قبل معظم المعارضة ضدها.
فمن باب الذكر لا الحصر نجد الدكتور برهان غليون في معرض رده عن موقف الكورد يقول: لقد حسم الكورد موقفهم نحو المواطنة وحقوقهم الأخرى ستناقش تحت قبة البرلمان الجديد القادم بعد تغيير النظام (محاضرة في برلين – موقع باخرة الكورد الالكتروني )، وكذلك الأستاذ ياسين حاج صالح يطالب الكورد أن يكونوا وحدويين ويتخلون عن الحلم الكوردستاني، و يعتبر تمسك بعض القيادات الكوردية به غطاء لممارسات انتهازية للفوز بالشرعية في الوسط الكوردي (ملحق جريدة النهار الثقافية 28 تشرين الثاني 2010 م)، في حين الأستاذ أكرم البني يأخذ على الحركة الكوردية ترددها وتأخرها في الالتحاق بركب الحراك الشعبي المطالبة بالحرية، وكذلك تقديمها لشعاراتها الخاصة المتعلقة برفع الظلم والاضطهاد القومي على الشعارات الديمقراطية العامة..(جريدة الحياة – الأحد 29مايو 2011 م).
لقد استشهدنا بهؤلاء الثلاثة (كنماذج) من الشخصيات الديمقراطية الليبرالية المتنورة، والذين يعتبرون من الصف المتقدم المتفهم والصديق للقضايا الوطنية والقومية للكورد، وإذا هم بهذه النوايا والأفكار..(؟!)، فما بالكم بالمتشددين والمتشنجين والرافضين لذكر كلمة كورد أو كوردستان أمامهم، الذين يستظلون (غالبيتهم) بعباءات الأنظمة التي تحكم الدول التي تقتسم كوردستان، وتنهل من ثقافاتها وأيديولوجياتها الشمولية والاستبدادية والعنصرية…
وفي الختام يبقى أن نذكر أن الحركة الكوردية التحررية منذ انطلاقتها تؤكد على التلازم بين النضالين القومي والوطني في برامجها وحراكها، وتطالب بإطلاق الحريات العامة ومكافحة الاستبداد والفساد وبناء دولة المؤسسات على أساس الكفاءة والمواطنة بعيداً عن التمييز أوالتفضيل، وتؤكد على الحلول الديمقراطية السلمية، وتنبذ العنف والقمع في أدبياتها، وتحرص دائماً ليكون الكورد جنوداً أوفياء وأشداء وأكفاء في الذود عن الوطن ووحدته وأمنه وسلامته، ويكونوا شركاء حقيقيين في الثروة والسلطة لبناء الوطن و تطويره.

========== 

ملاحظة: كتبت هذا المقال بتاريخ ٠٦/٣٠/ ٢٠١١ رداً ورفضاً لعقلية القوميات السائدة للدول المقتسمة لكوردستان وسياسات الأنظمة الحاكمة لها تجاه الكورد وقضاياهم وحقوقهم، والتي ماتزال ثابتة ومستمرة رغم تغير الظروف، واليوم أراه مفيداً بإعادة نشره للاطلاع..

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالجبار شاهين أنا لا اكتب من موقع الخصومة ولا من موقع التبرير بل من موقع القلق الذي يتراكم في صدري كلما رأيت كيف تتحول القضايا الكبرى إلى مسارات مغلقة تبتلع أبناءها جيلا بعد جيل وكيف يصبح الصراع مع مرور الوقت حالة طبيعية لا تسائل وكأنها قدر لا يمكن الخروج منه. قبل سنوات في نهاية عام 2012 وقبل سيطرة…

د. محمود عباس من غرائب ذهنية الشعب الكوردي، ومن أكثر جدلياته إيلامًا، أن كثيرًا من أبنائه ما إن يرتقوا إلى مواقع عليا داخل الدول التي تحتل كوردستان، حتى يبدأ بعضهم بالتخفف من انتمائه القومي، أو بطمسه، أو بتحويله إلى مجرد خلفية شخصية لا أثر لها في الموقف ولا في القرار القومي الكوردي. والمفارقة هنا ليست في وجود كورد في مواقع…

المحامي محمود عمر أبا لقمان من السجن ..الى السجن..الى الوداع الأخير؟؟!!. من الصعوبة بمكان على المرء أن يقف في هذا المقام ليعيش لحظات حزن ووداع على رحيل أي كان’ فكيف بمن يقف وقد وقع على عاتقه بأن يعزي أخا وصديقا بخصال أبا لقمان. رجل لطيف, شديد التواضع , دمث الخلق, سريع الحضور, بعيد عن التكلف, مشرق…

خالد حسو   يشكّل توقيف المدعو أمجد يوسف، وهو ضابط سابق في جهاز المخابرات التابع للنظام السوري السابق، والمشتبه بتورطه في الأحداث المرتبطة بمجزرة حي التضامن في مدينة دمشق، تطورًا ذا أهمية قانونية ضمن سياق الجهود الرامية إلى معالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي وقعت خلال النزاع السوري. ويأتي هذا الإجراء في إطار مسار أولي ضمن منظومة العدالة الجنائية، الهادفة…