عبدالجبار شاهين
أنا لا اكتب من موقع الخصومة ولا من موقع التبرير بل من موقع القلق الذي يتراكم في صدري كلما رأيت كيف تتحول القضايا الكبرى إلى مسارات مغلقة تبتلع أبناءها جيلا بعد جيل وكيف يصبح الصراع مع مرور الوقت حالة طبيعية لا تسائل وكأنها قدر لا يمكن الخروج منه.
قبل سنوات في نهاية عام 2012 وقبل سيطرة القوى المسلحة على مدينة كوباني رويت لي حادثة من أحد الشهود لا تزال عالقة في ذاكرتي في قرية ترميك تبرع أحد الأهالي بجزء من أرضه ليكون مقبرة عامة لكن بحسب رواية الشاهد حضر أحد كوادر حزب العمال الكردستاني من باكور كردستان وكان يعرف باسم الهڤال حمزة وكان مسلحا برفقة مجموعة من الملثمين طلب توسيع المقبرة على حساب أرض العائلة وحين رفض الابن تحول النقاش إلى عنف لفظي وجسدي مع تكرار فكرة أن المساحة لن تكفي لأن عدد الضحايا سيكون كبيرا رغم أن السياق حينها لم يكن يشير إلى معركة قائمة
ما بقي في ذهني من هذه الرواية ليس تفاصيلها فقط بل ذلك الشعور المقلق بأن هناك من كان يتحدث عن الموت كأنه أمر مسبق الترتيب لا نتيجة محتملة.
هذه الصورة الصغيرة تدفعني إلى التفكير في منطق أوسع يجعل من الخسارة أمرا متوقعا أكثر من كونها مأساة يجب تجنبها ويجعل من الاستعداد للتضحية جزءا من بناء الوعي قبل وقوع الصراع نفسه.
وفي هذا السياق كثيرا ما تستحضر المقولة المنسوبة إلى عبد الله اوجلان: لا أخاف من استمرار اراقة الدماء إنما اخاف من توقف اراقة الدماء باعتبارها تعبيرا عن منطق يرى في استمرار الصراع عنصرا بنيويا لبقاء التنظيم لا مجرد مرحلة سياسية عابرة. ما يقلقني أكثر ليس فقط العنف بل الطريقة التي يعاد بها إنتاجه داخل الوعي خصوصا عبر استهداف الفئات الأصغر سنا في بعض سياقات النزاع حيث تتحول التنشئة المبكرة إلى أداة لإعادة تشكيل القناعات وتقليص مساحة السؤال النقدي.
وفي الحالة الكردية لا يمكن فصل أي نقاش عن تجربة حزب العمال الكردستاني واتباعه في باقي أجزاء كردستان عن تعقيدات التاريخ والسياسة لكن في الوقت نفسه يبرز قلق متزايد لدى بعض المراقبين من أن أي تراجع في الحاضنة الشعبية للآپوجية أو تغير في ميزان القوى قد يدفع بعض التنظيمات المسلحة تاريخيا إلى البحث عن ساحات توتر جديدة ليس بالضرورة كخيار سياسي معلن بل كآلية لتفادي الانكماش أو إعادة إنتاج الشرعية وهو ما يجعل المخاوف من استمرار دوائر التجنيد في الفئات الهشة بما فيها القاصرين في بعض البيئات جزءا من نقاش أوسع حول كلفة استمرار الصراع على المجتمعات.
أنا لا اكتب هذا النص لأدين أحدا لأنها بلا جدوى بل لأحذر من منطق أخطر من الأشخاص منطق يجعل من الصراع حالة دائمة ومن الإنسان مادة قابلة للاستهلاك في دورة لا تنتهي فالمشكلة ليست في الحرب وحدها بل في القدرة على التعايش معها كأنها قدر لا يمكن تغييره.
إن المجتمعات التي تفقد حقها في السؤال والمراجعة والتراجع هي مجتمعات تدفع تدريجيا نحو إعادة إنتاج الألم بدل تجاوزه ولهذا فإن أي مشروع سياسي مهما كانت شعاراته يجب أن يقاس بقدرته على حماية الإنسان لا بقدرته على استمرار الصراع.
وربما يبقى السؤال الحقيقي اليوم ليس من ينتصر بل من يملك الشجاعة ليوقف دورة لا تنتهي من الدم قبل أن تبتلع الجميع.