صلاح عمر
يشهد الشرق الأوسط في هذه المرحلة تحولات عميقة قد تعيد رسم الخريطة السياسية للمنطقة برمتها. فالتصاعد المتزايد في حدة المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، والنظام الإيراني من جهة أخرى، لم يعد مجرد توتر عسكري عابر، بل بات مؤشراً على احتمال دخول إيران مرحلة سياسية جديدة قد تهز البنية التي تأسس عليها النظام منذ عام 1979.
وفي لحظات التحول الكبرى في تاريخ الدول، تنفتح دائماً نوافذ نادرة أمام الشعوب التي عانت التهميش والإنكار، لتطرح قضيتها على طاولة إعادة صياغة المستقبل. ومن بين هذه الشعوب يأتي الشعب الكردي في شرق كوردستان، الذي ظل لعقود طويلة محروماً من أبسط حقوقه السياسية والقومية.
لكن التجربة التاريخية تعلمنا أن أخطر ما يهدد لحظات التحول الكبرى لا يأتي دائماً من الخصوم التقليديين وحدهم، بل قد يتسلل أحياناً من داخل الصف نفسه، عبر قوى أو مشاريع ترفع شعارات كردية، لكنها في الممارسة السياسية تنحرف عن جوهر المشروع القومي.
في هذا السياق يبرز الجدل حول دور منظومة الحزب العمال الكردستاني (PKK)، وامتدادها الإيراني (PJAK)، في المشهد السياسي الكردي في روجهلات. فهذان التنظيمان يقدمان نفسيهما بوصفهما حركات تحرر كردية، لكن مسارهما السياسي خلال العقود الماضية يثير أسئلة عميقة حول طبيعة المشروع الذي يمثلانه وحدوده.
لقد انطلق PKK في نهاية سبعينيات القرن الماضي بخطاب ثوري راديكالي يرفع شعار تحرير كردستان وإقامة دولة كردية مستقلة. غير أن التحولات الفكرية والتنظيمية التي شهدها لاحقاً قادته إلى التخلي عن هذا الهدف، واستبداله بمفاهيم أيديولوجية جديدة مثل “الأمة الديمقراطية” و“أخوة الشعوب” و” الاندماج الديمقراطي”.
هذه المفاهيم، رغم ما تحمله من شعارات إنسانية، أثارت جدلاً واسعاً داخل الأوساط الكردية، لأن كثيرين يرون فيها انتقالاً من مشروع قومي واضح إلى صيغة فكرية عابرة للقومية قد تؤدي عملياً إلى تمييع الهوية السياسية للشعب الكردي داخل الدول القائمة.
والمشكلة هنا لا تتعلق فقط بالتحول النظري، بل بنتائجه السياسية. فحين تُستبدل فكرة حق تقرير المصير بمفاهيم فضفاضة حول التعايش الاجتماعي والثقافي داخل الدول القائمة، تتحول القضية الكردية من قضية شعب يسعى إلى الحرية السياسية، إلى مجرد ملف إصلاح ديمقراطي داخل أنظمة لم تعترف أصلاً بوجود هذا الشعب.
أما PJAK، الذي يقدم نفسه كتنظيم كردي إيراني يعمل في شرق كوردستان، فهو في بنيته التنظيمية والفكرية جزء من شبكة PKK الأوسع، ويخضع لنفس المرجعية الأيديولوجية والقيادية. ولهذا يرى كثير من الباحثين أن دوره السياسي في روجهلات لم يتبلور يوماً كمشروع قومي كردي مستقل، بل ظل يتحرك ضمن معادلات إقليمية معقدة.
وهنا يبرز القلق الأكبر في اللحظة الراهنة. فمع الحديث المتزايد عن ضرورة توحيد الصف الكردي في شرق كوردستان، تظهر محاولات لدمج PJAK في مشاريع الوحدة السياسية. من حيث المبدأ تبدو فكرة الوحدة هدفاً مشروعاً وضرورياً لأي حركة تحرر، لكن التاريخ السياسي يعلمنا أن الوحدة التي لا تقوم على وضوح المشروع قد تتحول إلى مدخل لاختراق القرار الوطني من الداخل.
إن إدخال تنظيم مرتبط بشبكة إقليمية أوسع إلى قلب المشروع القومي في روجهلات قد يمنح القوى الإقليمية – خصوصاً تركيا وإيران – الذريعة لتصوير الحركة الكردية بأكملها باعتبارها امتداداً لمنظومة PKK. وهذه الذريعة استُخدمت مراراً لتبرير عمليات عسكرية أو ضغوط سياسية ضد الكرد في أكثر من ساحة.
والأهم من ذلك أن التجربة الكردية في المنطقة تقدم دروساً قاسية حول مخاطر خلط المشاريع القومية بشبكات الصراع الإقليمي. فقد شهدت الساحة السورية خلال السنوات الماضية كيف تحولت القضية الكردية هناك تدريجياً من مشروع سياسي يسعى إلى تحقيق حقوق شعب، إلى ملف شديد التعقيد تتحكم فيه التوازنات الدولية والإقليمية.
إن استنساخ هذا النموذج في شرق كوردستان قد يؤدي إلى النتيجة ذاتها: مصادرة القرار الكردي وتحويل القضية إلى ورقة ضمن لعبة القوى الكبرى.
الحقيقة التي ينبغي مواجهتها بشجاعة هي أن القضية الكردية اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات الأيديولوجية الغامضة، بقدر ما تحتاج إلى وضوح في المشروع السياسي. فالقضية في جوهرها ليست قضية إدارة اجتماعية أو ثقافية داخل الدول القائمة، بل قضية شعب يسعى إلى الاعتراف بهويته وحقه الطبيعي في تقرير مصيره.
لقد مرّ ما يقرب من ثمانية عقود على سقوط جمهورية مهاباد الكردستانية عام 1946، ذلك الحدث الذي ما زال حاضراً في الذاكرة الكردية باعتباره رمزاً لأول محاولة حديثة لبناء كيان سياسي كردي. ومنذ ذلك الوقت مرّ الشعب الكردي بمحطات كثيرة ضاعت فيها فرص تاريخية، ليس فقط بسبب قوة الخصوم، بل أيضاً بسبب الانقسامات الداخلية وسوء تقدير اللحظات التاريخية.
واليوم يقف الكرد في روجهلات أمام لحظة قد تكون من أكثر اللحظات حساسية في تاريخهم الحديث. فالتغيرات التي قد تشهدها إيران في الشهور والسنوات المقبلة قد تفتح الباب أمام إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والشعوب التي تعيش داخلها.
لكن اغتنام هذه اللحظة يتطلب أولاً حماية القرار الوطني الكردي من أي اختراق، سواء جاء من الخارج أو تسلل عبر مشاريع سياسية تحمل شعارات جذابة لكنها تبتعد عن جوهر القضية.
فالمستقبل لن يحدده فقط ما ستفعله طهران أو أنقرة، بل أيضاً ما إذا كان الكرد أنفسهم قادرين على بناء مشروع سياسي مستقل وواضح يحفظ قضيتهم من أن تتحول مرة أخرى إلى أداة في صراعات الآخرين.
وعند هذه النقطة تحديداً يصبح السؤال الحقيقي أمام النخب الكردية:
هل ستتعلم الحركة الكردية من دروس التاريخ، أم ستسمح مرة أخرى بأن تدخل “خيول طروادة” إلى قلب مشروعها القومي باسم الوحدة والشعارات الكبرى؟