عبدالعزيز قاسم
يقال في الموروث الشعبي إن الكورد لا يتحدون إلا في الرقص، وهي عبارة تحمل دلالة رمزية عميقة في الثقافة الكوردية، حيث يشكل الرقص الجماعي جزءا أساسيا من الحياة الاجتماعية والاحتفالات الشعبية، فالرقصات الكردية المعروفة باسم “گۆڤەند، دیلان، هەلپەرکێ” أو “الدبكة الكوردية” ليست مجرد حركات فنية، بل تعبير عن التضامن الجماعي والهوية الثقافية التي تناقلتها الأجيال عبر القرون.
وفي الذاكرة الشعبية الكوردية تروى قصص متعددة عن أصل هذه الرقصات، بعضها يرتبط بأحداث تاريخية كبرى، وبعضها يعكس رمزية الوحدة في مواجهة الانقسامات السياسية والحدود المصطنعة.
إحدى الروايات الشائعة تعود إلى زمن الکورد الميديين، حين يقال إن الملك الميدي كيخسرو طلب من قائد جيشه أن يشرح الخطة التي هزم بها الجيش الميدي الکوردی الإمبراطورية الآشورية، وبما أن حمل السلاح كان ممنوعا في مجلس الملك، استخدم القائد قطعة قماش «مندیل» بدل السيف، وبدأ يمثل حركات المعركة بحركات جسدية مع جنوده، حيث تشابكت الأيدي في صف واحد وتقدمت المجموعة خطوتين إلى الأمام ثم عادت خطوة إلى الخلف في حركة جماعية منظمة، ويربط بعض الباحثين الشعبيين هذه الحركات بالبدايات الرمزية للرقصات الجماعية التي يؤديها الكرد اليوم، خاصة الدبكات التي تعتمد على تشابك الأيدي والحركة الإيقاعية الجماعية، واصبحت هذه الحركات أساسا لإحدى أشهر الدبكات الكوردية المعروفة اليوم باسم «شيخاني»، ، وتربط هذه الرواية بانتصار الميديين على الآشوريين في الحدث التاريخي المعروف باسم سقوط نينوى 612 ق.م، وهو الحدث الذي أنهى الإمبراطورية الآشورية القديمة وغير ميزان القوى في الشرق الأدنى القديم.
كما تروى قصة أخرى تعكس العلاقة بين الرقص والحدود السياسية التي قسمت المناطق الكوردية عبر التاريخ؛ فبعد المعركة الشهيرة التي وقعت سنة 1514 بين السلطان العثماني سليم الأول والشاه الصفوي إسماعيل الصفوي، والمعروفة باسم معركة جالديران، ظهرت حدود سياسية لأول مرة في كوردستان وفصلت بين مناطق كردية واسعة، وفي القرى والمناطق الحدودية وضعت السلطات العثمانية والصفوية حواجز بين القرى الكوردية المتجاورة، لكن الكورد حاولوا كسر هذه العزلة بطرق رمزية؛ فكانت القرى الواقعة على جانب من الحدود ترقص باتجاه معين، بينما ترقص القرى المقابلة باتجاه معاكس، ومع تقدم خطوات الرقص الدائرية كان الراقصون يقتربون من بعضهم حتى تختلط الصفوف، وكأن الرقص يصبح وسيلة رمزية لتجاوز الحدود التي فرضتها السياسة.
ورغم أن هذه الروايات تنتمي في جزء كبير منها إلى التراث الشفهي أكثر من كونها حقائق تاريخية موثقة بالكامل، فإنها تعكس المكانة العميقة التي يحتلها الرقص في المجتمع الكردي. ففي الأعراس والمناسبات والأعياد تتشكل حلقات الرقص حيث يمسك المشاركون بأيدي بعضهم بعضا ويتحركون بإيقاع واحد يقوده شخص في الطرف يحمل غالبا منديلًا أو قطعة قماش ويسمى ب «سەرچوپی، سەرگۆڤەند» وهو نفسه یمثل القائد العام للجیش في صورة تجسد فكرة الوحدة الجماعية. ولهذا يصف كثير من الباحثين الرقص الكوردي بأنه رمز للتكافل الاجتماعي، حيث يذوب الفرد داخل الجماعة ويتحرك الجميع بخطوات متناسقة وكأنهم جسد واحد.
وقد انعكست هذه الروح الجماعية في الأغنية الكوردية المعاصرة أيضا، إذ كثيرا ما تحتفي الأغاني الشعبية والحديثة بالرقص الجماعي وبثقافة “سەرگۆڤەندی، سەرچوپی”، ومن الأمثلة على ذلك أغنية “چۆپی سۆر” للفنان الكوردي حسين صفامنش، وهي أغنية موجهة لرقص الدبكة الكوردية وتدعو الکورد إلى التشابك بالأيدي والرقص في صف واحد، ففي كلماتها نداء واضح للوحدة والفرح الجماعي، كما يظهر في أحد مقاطعها الذي يقول: «يەک بگرن دەس بگرن پی به پی قول به قول»، أي دعوة الناس إلى الإمساك بأيدي بعضهم والرقص جنبا إلى جنب من کرکوک الى كرمنشان، في صورة تعكس جوهر الرقص الكوردي كفعل جماعي يجمع الناس في صف واحد.
وهكذا; سواء كانت القصص التي تربط الرقص بانتصارات قديمة أو بمحاولات كسر الحدود صحيحة حرفيا أم لا، فإن معناها الرمزي يبقى واضحا: فالرقص في الثقافة الكوردية ليس مجرد فن، بل هو لغة اجتماعية تعبر عن التضامن والهوية المشتركة. وفي كل مرة تتشابك فيها الأيدي في حلقات الرقص، تتجدد تلك الفكرة القديمة التي تقول إن الخطوات المتناسقة يمكن أن تجمع الکورد رغم الحدود المصطنعة والانقسامات الحزبية والسياسية.