شادي حاجي
مع كل تصعيد سياسي أو عسكري في الشرق الأوسط، يعود سؤال قديم إلى الواجهة: هل يمكن للتحولات الإقليمية والدولية، وخصوصاً سياسات الولايات المتحدة وإسرائيل، أن تمهّد في نهاية المطاف لقيام دولة كردية مستقلة؟ فالقضية الكردية لم تعد مجرد قضية قومية تتعلق بحق تقرير المصير، بل أصبحت جزءاً من معادلات التوازنات الجيوسياسية في المنطقة.
يُقدَّر عدد الكرد بعشرات الملايين، ما يجعلهم أكبر شعب في العالم لا يمتلك دولة قومية مستقلة. ويتوزعون أساساً بين تركيا وإيران والعراق وسوريا. وقد تشكّل هذا الواقع بعد الحرب العالمية الأولى، حين طُرحت فكرة إقامة دولة كردية مستقلة في معاهدة سيفر عام 1920، قبل أن تُطوى تلك الفكرة مع معاهدة لوزان عام 1923 التي كرّست الحدود السياسية القائمة في الشرق الأوسط.
على مدى العقود الماضية، تطورت الحركة القومية الكردية بطرق مختلفة داخل الدول الأربع. ففي العراق يتمتع إقليم كردستان بحكم ذاتي واسع منذ تسعينيات القرن الماضي، تعزز بعد عام 2003 مع بناء مؤسسات سياسية وأمنية خاصة بالإقليم. وفي سوريا، أفرزت الحرب واقعاً سياسياً جديداً تمثل في نشوء إدارة ذاتية في المناطق الكردية، ما منح الكرد في سوريا حضوراً سياسياً وعسكرياً غير مسبوق في تاريخهم الحديث.
بلغ الطموح الكردي ذروته في استفتاء استقلال إقليم كردستان (العراق) عام 2017، حين صوّتت الغالبية الساحقة لصالح الاستقلال. لكن ردود الفعل الإقليمية والدولية كشفت حدود هذا المشروع. فقد عارضت دول الجوار الاستفتاء بشدة، ولم يجد المشروع دعماً دولياً حاسماً، بما في ذلك من الولايات المتحدة، ما أدى إلى تراجعه وإعادة تثبيت معادلة الحكم الذاتي ضمن الدولة العراقية.
مع ذلك، فإن دور الولايات المتحدة في المناطق الكردية، خصوصاً في العراق وسوريا، كان عاملاً مهماً في تعزيز حضور الكرد في المعادلات الإقليمية. فقد لعبت القوات الكردية دوراً محورياً في الحرب ضد تنظيم داعش بدعم مباشر من واشنطن والتحالف الدولي، وهو ما عزز صورتهم لدى بعض الدوائر الغربية كشريك محلي فعال في تحقيق الاستقرار ومكافحة التنظيمات المتطرفة.
أما إسرائيل، فقد ظهرت في النقاشات الجيوسياسية بوصفها أحد الأطراف التي تنظر بإيجابية إلى فكرة قيام دولة كردية . فبعض الدراسات تشير إلى أن إسرائيل نظرت تاريخياً إلى الكرد كحليف محتمل ضمن ما عُرف بسياسة “الأطراف”، التي سعت من خلالها إلى بناء علاقات مع قوى غير عربية في المنطقة. وقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدعم السياسي الذي أبدته لاستفتاء استقلال كردستان العراق عام 2017.
مع ذلك، فإن الانتقال من التعاطف السياسي أو الدعم غير المباشر إلى مشروع فعلي لإنشاء دولة كردية يبقى مسألة أكثر تعقيداً. فالولايات المتحدة، رغم علاقاتها الوثيقة مع القوى الكردية، لا تبدو مستعدة للدخول في مواجهة مفتوحة مع حلفائها الإقليميين مثل تركيا من أجل إقامة دولة كردية مستقلة. كما أن أي مشروع من هذا النوع سيواجه معارضة حادة من الدول الأربع التي تضم مناطق كردية، خصوصاً تركيا وإيران اللتين تعتبران قيام دولة كردية تهديداً مباشراً لأمنهما القومي.
إلى جانب ذلك، تلعب الانقسامات السياسية داخل الحركة الكردية نفسها دوراً مهماً في تعقيد المشهد. فالقوى الكردية في العراق وسوريا وتركيا وإيران لا تتبنى دائماً رؤية سياسية موحدة، كما تختلف في تحالفاتها الإقليمية والدولية، الأمر الذي يحدّ من قدرتها على تحويل الطموح القومي إلى مشروع سياسي جامع.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن الحديث عن قيام دولة كردية بدعم مباشر من الولايات المتحدة أو إسرائيل يظل أقرب إلى فرضية جيوسياسية منه إلى مشروع سياسي قابل للتحقق في المدى القريب. فالواقع الحالي يشير إلى أن القوى الدولية تفضّل التعامل مع القضية الكردية ضمن ترتيبات محلية مثل الحكم الذاتي أو الشراكات الأمنية، بدلاً من إعادة رسم حدود الدول في الشرق الأوسط.
لذلك، قد يكون السيناريو الأكثر واقعية في المستقبل المنظور هو استمرار أو توسع نماذج الحكم الذاتي في بعض المناطق الكردية، بدلاً من قيام دولة كردية مستقلة. أما ظهور دولة كردية موحدة تمتد عبر عدة دول، فسيظل احتمالاً مرتبطاً بتحولات إقليمية ودولية كبرى قد تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط بأكملها.
في النهاية، تبقى القضية الكردية واحدة من أكثر ملفات المنطقة حساسية وتعقيداً، لأنها تقع عند تقاطع الطموح القومي مع حسابات القوة والنفوذ في الشرق الأوسط. وبين هذين العاملين سيتحدد مستقبلها، ربما ليس في السنوات القليلة المقبلة، بل في التحولات الكبرى التي قد تشهدها المنطقة في العقود القادمة.
وإلى مستقبل أفضل.
قبل ان اقرأ مقالك اقول لا،لايريدون اقامة دولة كوردية…بعدين راح اقرأ…
قبل ان اقرأ مقالك اقول لا،لايريدون اقامة دولة كوردية…بعدين راح اقرأ…بعدما قرأت المقال ،تبين اننا متفقين…