اختبار الشرعية في المجتمعات المتعددة القوميات

عدنان بدرالدين
تمهيد للسلسلة
تتناول هذه السلسلة سؤالًا بنيويًا في تاريخ الدولة الحديثة في الشرق الأوسط: كيف تُعرَّف الجماعة السياسية داخل دولة نشأت فوق مجتمع متعدد القوميات واللغات والانتماءات التاريخية؟ فالأزمة التي عرفتها دول مثل تركيا وسوريا وإيران والعراق لم تكن أزمة حدود فحسب، بل أزمة تعريف: من يملك حق تحديد “نحن” داخل الدولة، ومن يملك الكلمة الأخيرة حين يُطرح سؤال إعادة توزيع السلطة.
تنطلق السلسلة من فرضية مفادها أن المسألة الكردية في هذه الدول لا يمكن فهمها بوصفها مجرد نزاع حول الاعتراف الثقافي أو الحقوق اللغوية، بل بوصفها اختبارًا لبنية الشرعية السياسية ذاتها. ففي الأنظمة التي بُنيت شرعيتها على تعريف أحادي للجماعة السياسية، يصبح احتكار القرار السيادي النهائي شرطًا لاستقرار الدولة، وتُقرأ أي مطالبة بإعادة توزيع السلطة بوصفها تهديدًا وجوديًا. أما حين يفرض الواقع السياسي الاعتراف بأن الجماعة السياسية مركبة في أصلها، فإن السؤال يتغير: كيف يمكن إعادة توزيع بعض عناصر السلطة داخل الدولة دون تفكيك المجال السياسي نفسه؟
عبر قراءة أربع حالات مختلفة — تركيا وسوريا وإيران والعراق — تحاول هذه السلسلة تتبّع الطرق التي تعاملت بها الدول مع هذا التحدي. ففي الحالات الثلاث الأولى يظهر اتجاه واضح إلى تحصين السيادة ومنع إعادة تعريفها، وإن اختلفت اللغة الأيديولوجية التي تُصاغ بها هذه الحماية. أما الحالة العراقية فتكشف مسارًا مختلفًا نسبيًا، حيث لم يعد الصراع يدور حول وجود التعدد في النصوص أو الاعتراف الثقافي به، بل حول كيفية توزيع بعض عناصر السلطة داخل الدولة نفسها.
بهذا المعنى لا تُقرأ المسألة الكردية هنا كاستثناء تاريخي أو قضية قومية معزولة، بل كحالة كاشفة لحدود الدولة الحديثة في المجتمعات المتعددة القوميات، وللطريقة التي تُبنى بها الشرعية السياسية حين يُطرح سؤال السيادة داخل جماعة سياسية مركبة.
اختبار الشرعية في المجتمعات المتعددة القوميات
من تعريف الجماعة إلى احتكار القرار السيادي النهائي (4/1)
في موضوع الدولة والتعدد
لم تكن الأزمة في تركيا أو إيران أو سوريا أو العراق أزمة حدود فحسب، بل أزمة تعريف الجماعة السياسية داخل هذه الحدود. فهذه الدول نشأت فوق مجتمعات متعددة القوميات واللغات والانتماءات التاريخية، لكنها سعت، بدرجات متفاوتة، إلى تثبيت تعريف رسمي واحد للانتماء السياسي. ومنذ لحظة التأسيس ظل السؤال البنيوي حاضرًا، وإن لم يُطرح دائمًا بصراحة: من يملك حق تعريف “نحن” داخل الدولة؟
المقصود بـ تعريف الجماعة السياسية ليس توصيفًا اجتماعيًا لسكان إقليم معيّن، بل تحديد من يُعدّ عضوًا كامل العضوية في المجال السياسي، وعلى أي أساس. هذا التعريف يتجسد في الدستور، وفي اللغة الرسمية، وفي سردية الأمة، وفي مصادر الشرعية المعترف بها. وحين يُثبَّت في نص تأسيسي أو عقيدة سياسية، يتحول من وصف إلى قاعدة حاكمة.
داخل هذا الإطار نميز بين مستويين مترابطين:
تعريف الجماعة السياسية بوصفه الإطار الكلي،
وتعريف الانتماء بوصفه الآلية التي تحدد شروط الدخول في هذا الإطار.
حين يُربط الانتماء بتبنّي تعريف أحادي غير قابل للمراجعة، تتحول الدولة إلى المرجع الوحيد لتحديد معنى الجماعة السياسية. وهنا نغادر سؤال الهوية الثقافية إلى سؤال السيادة السياسية.
احتكار القرار السيادي النهائي
في هذه السلسلة سنستخدم عبارة محددة بدقة: احتكار القرار السيادي النهائي.
السيادة هنا لا تعني مجرد الاستقلال الخارجي، بل تعني من يملك الكلمة الأخيرة حين ينشأ نزاع حول تعريف الجماعة أو حدود السلطة. من يفسر الدستور؟ من يحدد حدود الممكن سياسيًا؟ من يملك إعادة توزيع الصلاحيات أو منعها؟
عرّف كارل شميت السيادة بأنها القدرة على اتخاذ القرار في الحالة الاستثنائية. بمعنى آخر، تظهر السيادة حين تُحسم المسألة بلا مرجعية أعلى. وحين تحتكر جهة واحدة هذا القرار النهائي، يصبح تعريف الجماعة محميًا من إعادة التفاوض.
في المجتمعات المتجانسة نسبيًا قد لا يبدو هذا الاحتكار أزمة مستمرة. أما في مجتمع متعدد القوميات، فإن أي مطالبة جماعية بإعادة توزيع السلطة تعيد فتح موضوع الانتماء ذاته، وتختبر حدود هذا الاحتكار.
التعدد بين الإدارة والمشاركة
ليس كل اعتراف بالتعدد إعادة توزيع للسلطة. ومن الضروري التمييز بين ثلاث درجات مختلفة:
اللا مركزية الإدارية تعني نقل بعض الصلاحيات الخدمية والتنظيمية إلى مستوى محلي، دون المساس بالمركز الذي يحتكر القرار السيادي النهائي.
الحكم الذاتي السياسي يمنح صلاحيات تشريعية وتنفيذية محددة لمنطقة أو جماعة، لكنه يظل داخل سقف مركز يحتفظ بحق الحسم والتفسير النهائي.
أما التوسيع الدستوري لعناصر من السيادة فيعني توزيعًا أعمق يشمل اختصاصات حصرية في التشريع، إدارة الموارد، تنظيم الأمن الداخلي، أو مشاركة مؤسسية فعلية في القرار الاتحادي. هنا لا يُلغى المركز، لكنه لا يعود صاحب القرار المنفرد في كل شيء.
هذا المستوى الأخير يقترب مما تسميه بعض الأدبيات بالفيدرالية التوافقية أو التعددية الدستورية، حيث يُعترف بالتعدد داخل بنية السلطة ذاتها، لا فقط في المجال الثقافي.
المقاربة الثقافية وحدودها
لا تختزل المطالب الكردية في مطلب ثقافي رمزي. تاريخيًا، تمحورت هذه المطالب حول الشراكة السياسية وصيغ إعادة توزيع السلطة داخل الدولة، لا حول التعليم أو اللغة وحدهما.
لهذا يظهر ما يُسمى أحيانًا بالحل الثقافي بوصفه صيغة احتواء تقدمها الدولة لتجنب المساس باحتكار القرار السيادي النهائي. الفرق هنا جوهري بين اعتراف رمزي يترك بنية السلطة على حالها، واعتراف مؤسسي يمس توزيعها.
المسألة ليست في وجود التعدد، بل في الاعتراف بطبيعته السياسية.
أنماط الدولة وتعريف الجماعة
لضبط التحليل، ينبغي التمييز بين أنماط مختلفة من الدولة.
الدولة المركزية تتركز فيها الصلاحيات في مركز واحد، بغض النظر عن تعريف الهوية، كما في النماذج الإدارية الصلبة التي عرفتها دول أوروبية مثل فرنسا في مراحل طويلة من تاريخها.
الدولة القومية تربط تعريف الجماعة السياسية بهوية قومية محددة وتجعلها أساس الشرعية، كما يظهر بوضوح في التجربة التركية الحديثة.
الدولة العقائدية تؤطر السيادة بمرجعية أيديولوجية أو دينية تعلو على النقاش السياسي، وهو ما نجده بصورة مؤسسية في النموذج الإيراني.
أما الدولة الاتحادية فتوزع عناصر من السلطة والسيادة دستوريًا بين مستويات مختلفة من الحكم، كما في تجارب اتحادية راسخة مثل ألمانيا أو الولايات المتحدة.
هذه الأنماط قد تتداخل، لكن الفارق بينها يظهر حين تُختبر حدود تعريف الجماعة.
اختبار الشرعية
نصل هنا إلى المفهوم الذي سيحكم الحلقات القادمة: اختبار الشرعية.
ليست كل مطالبة سياسية اختبارًا للشرعية. لكن حين تظهر جماعة قومية ذات امتداد جغرافي واضح، وتنظيم سياسي فعّال، ومطالبة صريحة بإعادة توزيع السلطة، فإنها لا تطلب مجرد اعتراف ثقافي، بل تختبر تعريف الدولة لنفسها.
إذا كانت الشرعية قائمة على تطابق السلطة مع هوية واحدة، فإن هذا المطلب يُقرأ كتهديد وجودي. أما إذا كانت قائمة على عقد شراكة يعترف بأن الجماعة السياسية مركبة، فإن الاختبار يتحول إلى لحظة إعادة تعريف.
بهذا المعنى، لا تُفهم المسألة الكردية هنا بوصفها استثناءً قوميًا، بل بوصفها حالة كاشفة لبنية الدولة في المجتمعات المتعددة القوميات.
ملاحظة منهجية
المفاهيم التي ثبتناها هنا ليست أحكامًا مسبقة على الحالات التي سنناقشها، بل أدوات لفحصها. وقد تكشف التجارب نفسها حدود هذه الأدوات أو الحاجة إلى تعديلها. الهدف ليس فرض قراءة جاهزة، بل توفير إطار يساعد على المقارنة دون الوقوع في التباس المفاهيم.
تمهيد للحلقة الثانية
إذا كان السؤال النظري هو من يملك تعريف الجماعة السياسية، فإن الحالة التركية تقدم المثال الأكثر اكتمالًا لدولة جعلت هذا التعريف مغلقًا دستوريًا، وربطت شرعيتها بحمايته.
هناك ننتقل في الحلقة التالية إلى قراءة النموذج التركي من الداخل، بوصفه الصيغة الأوضح لمحاولة تثبيت تطابق قسري بين السلطة وهوية واحدة.
— يتبع —

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

في نهاية اللقاء السابع بعد المائة للهيئة المرحلية، صرحت المتحدثة باسمها بما يلي: اولا – نتقدم بالتهاني لشعبنا الكردي في عيده القومي نوروز ولكل السوريين، وللرئيس الانتقالي الذي اصدر مرسوم اعتبار نوروز عيدا وطنيا، وفي الوقت الذي شاركنا فيه شعبنا فرحته في كل المناطق وفي العاصمة دمشق، نحذر في الوقت ذاته محاولات حزبنة نوروز واستثماره لاغراض حزبوية سياسية فئوية بالداخل…

صبري رسول تحاول البشرية التّخلص من الاستبداد والدكتاتوريات وعبادة الفرد، التي كانت من إرث الأساطير والمعجزات والأديان، ويؤكّد التاريخ أن الدكتاتوريات تنتهي بالكوارث، وتجلب الويلات لشعوبها ولبلادها، والأمثلة كثيرة، يعرفها السّاسة وعامة النّاس، وحتى السّطحيون يعرفونها. لكن ما الذي يدفع بعضاً من الرّهط الكردي المؤدلج إلى اللهاث وراء السّيد أوجلان؟ وتطبيق توصياته الفكرية والفلسفية بغضّ النّظر عن صحتها…

عبدالله كدو الكرد السوريون يمرون، مثلهم مثل غيرهم من أبناء شعوب المنطقة من العرب والترك والفرس وغيرهم، بمرحلة لم تكتمل فيها الاصطفافات الاجتماعية والسياسية بعد، فالمجتمع الكردي ينقسم إلى عشائريين ومدنيين، محافظين وليبراليين، مؤمنين معتدلين وعلمانيين بالأكثرية، ومؤمنين متطرفين بالأقلية. هذه اللوحة الاجتماعية للمجتمع الكردي تساهم في تفسير كيفية تلقي الشعب الكردي التأثيرات السياسية التي كانت أو لا تزال تتبعها…

عبدالجبار شاهين ولد الهدى فالكائنات ضياء، وفي مثل هذا اليوم التاريخي المجيد الذي توقّفت عنده عقارب الكون احتراماً، ومالت فيه المجرّات إجلالاً، وغيّرت الفلسفة مسارها خجلاً، نحتفل بميلاد القائد الكوني، الفيلسوف الأممي، المعلّم الأول، النبي الذي لم يُنزَّل عليه وحيٌ من السماء بل نزلت عليه السماء نفسها، عبدالله أوجلان، الرجل الذي لم يكتفِ بتحرير الإنسان، بل قرر إعادة تعريفه، ولم…