نظام مير محمدي *
ليس من السهل أن يُقال إن إيران بلغت “منعطفاً تاريخياً” ثم يُترك التعبير معلّقاً في الهواء. لكن ما طُرح في مؤتمر باريس يوم ٥ آذار/مارس ٢٠٢٦ يقدّم محاولة مختلفة: تحويل عبارة “البديل” من توصيف سياسي عام إلى برنامج انتقال مُفصّل، يتعامل مع سؤال اليوم التالي بقدر ما يتعامل مع سؤال إسقاط نظام ولاية الفقيه. فالمؤتمر، الذي انعقد تحت عنوان “إيران: منعطف تاريخي – دعم برنامج الحكومة المؤقتة التابعة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية على أساس خطة النقاط العشر”، لم يكتفِ بترديد عناوين عريضة، بل ركّز على عناصر إجرائية واضحة لمرحلة ما بعد السقوط، وعلى كيفية تجنّب الفراغ والفوضى وإعادة إنتاج الاستبداد في صورة جديدة.
في مستهل المؤتمر، قدّمت السيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، إعلان الحكومة المؤقتة في ٢٨ شباط/فبراير ٢٠٢٦ بوصفه “رفع راية الديمقراطية وسيادة الشعب”. واعتبرت أن هذه الخطوة، التي تعود جذورها إلى عام ١٩٨١، ليست تفصيلاً تنظيمياً، بل ضمانة سياسية وقانونية لإقامة جمهورية ديمقراطية تستند إلى خطة النقاط العشر. وفي صلب هذه الخطة، تؤكد رجوي مبادئ فصل الدين عن الدولة، والمساواة بين المرأة والرجل، والتعددية السياسية، وضمان حقوق القوميات المضطهدة، ومن بينها البلوش والأكراد والعرب والتركمان، الذين دفعوا ثمناً مضاعفاً عبر عقود من القمع، سواء في عهد الشاه أو في ظل النظام الحالي.
الركيزة العملية التي شددت عليها رجوي كانت آلية الانتقال: تشكيل مجلس تأسيسي عبر انتخابات حرة خلال مدة لا تتجاوز ستة أشهر، يتولى صياغة دستور جديد، ثم تنتقل السلطة كاملة إلى ممثلي الشعب. هذا التفصيل هو، في نظرها، نقطة الفصل بين مشروع يَعِد بالديمقراطية ومشروع يملك أدوات تنفيذها. كما وضعت رجوي “دور المرأة في القيادة” بوصفه معياراً حاسماً لنجاح عملية التغيير، ليس فقط في لحظة إسقاط النظام، بل في القدرة على إدارة مرحلة ما بعده وتجاوز تحدياتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ومن هذه الزاوية، حذرت من محاولات ترويج العودة إلى دكتاتورية الشاه عبر رضا بهلوي، معتبرة أن تقديم “استبداد ملكي” كبديل للاستبداد الديني يخدم عملياً بقايا النظام الحالي لأنه يزرع الخوف من مستقبل يستبدل ديكتاتورية بديكتاتورية، ويشكّل إهانة لمسار نضال امتد أكثر من قرن وتضحيات تجاوزت مئة ألف شهيد.
وفي سياق الحرب والتصعيد، شددت رجوي على أن مستقبل إيران لا يُفرض من الخارج، داعية الأطراف المتنازعة إلى أقصى درجات الحذر لحماية المدنيين والمنشآت المدنية والتعليمية والطبية. كما لفتت إلى خطر داهم يهدد السجناء، مطالبة المجتمع الدولي والمدافعين عن حقوق الإنسان بالضغط للإفراج الفوري عن السجناء، ولا سيما السجناء السياسيين المحكومين بالإعدام. وختمت بدعوة سياسية واضحة: الاعتراف بنضال الشعب الإيراني ووحدات المقاومة، وإغلاق سفارات النظام بوصفها مراكز تجسس وتصدير إرهاب، وملاحقة قادته قضائياً.
المداخلات الدولية أعطت للمؤتمر بعداً سياسياً غربياً يركز على سؤال الشرعية والبديل. الجنرال جيمس جونز، مستشار الأمن القومي الأميركي السابق، رأى أن ما يحدث في إيران يشير إلى “بداية نهاية” نظام استبدادي احتجز شعباً عظيماً لنصف قرن. وقال إن وحشية النظام في انتفاضة كانون الثاني/يناير ٢٠٢٦، حيث قُتل الآلاف، لم تكسر الإرادة الشعبية، بل أكدت الحاجة إلى بديل منظم. واعتبر خطة النقاط العشر وثيقة تستند إلى مبادئ عالمية: الحرية، الانتخابات الحرة، فصل الدين عن الدولة، المساواة، وإلغاء عقوبة الإعدام، داعياً إلى الاعتراف بالحكومة المؤقتة كإطار شرعي للمرحلة الانتقالية، ورافضاً أي محاولة لإعادة إيران إلى عهد الشاه، مع تحية خاصة لوحدات المقاومة داخل إيران باعتبارها القوة التي تثبت أن القرار سيبقى بيد الإيرانيين أنفسهم.
أما جون بيركو، الرئيس السابق لمجلس العموم البريطاني، فطرح الموضوع بلهجة أكثر حدة: النظام، وفق توصيفه، “وحشي وفاشي”، لكن السؤال الأهم هو البديل. وهنا رفض بشكل قاطع رضا بهلوي “ابن الشاه” بوصفه خياراً، معتبراً أنه وريث ديكتاتور بلا قاعدة داخلية وبلا سجل تضحية أو إنجاز، عاش حياة رفاه في الولايات المتحدة بعيداً عن أثمان النضال. وفي المقابل، أثنى على قيادة رجوي وخطتها لانتقال محدد زمنياً نحو انتخابات ديمقراطية، داعياً إلى رفض الديكتاتورية سواء جاءت عبر التاج أو عبر العمامة.
أندريه شاسين، النائب الفرنسي السابق وقائد الحزب الشيوعي، ركز على مبدأ السيادة الشعبية: الشعب الإيراني هو من يقرر مستقبله، وعلى المتضامنين في الخارج أن يكشفوا الدعاية المضللة التي تروّج إعادة تدوير الدكتاتورية الحالية أو إحياء دكتاتورية سابقة. ودعا إلى توضيح وجود بديل ديمقراطي بُني عبر عقود، مع التنبيه إلى ضرورة تجنب المجازر، وإبراز دور وحدات المقاومة في اللحظة الحاسمة.
السيناتور الأميركي السابق روبرت توريتشيلي تحدث عن “فرصة ثانية” للإيرانيين بعد أن سُرقت ثورة ١٩٧٩، وشدد على أن العبء سينتقل إلى الشعب الإيراني نفسه. كما اعتبر الحكومة المؤقتة إطاراً شاملاً لأي إيراني يريد بلداً حراً وديمقراطياً، مع قاعدة واضحة: لا مكان لرموز نظام الملالي ولا لرموز دكتاتورية الشاه. وأكد أن دور الأصدقاء والدبلوماسيين في العالم سيكون مهماً لضمان تمثيل من دفعوا الثمن على الأرض وتجنّب فشل الحكومة الجديدة في ملء الفراغ.
أما روبرت جوزيف، وكيل مساعد وزارة الخارجية الأميركية السابق لمكافحة انتشار السلاح، فرأى أن التحدي الأكبر هو ضمان ألا يعيد النظام بناء نفسه بأي شكل، محذراً من أن أي إعادة تشكيل ستعيد مشروع السلاح النووي سريعاً. ورفض تضخيم دور “ابن الشاه” بسبب غياب التأييد الداخلي، مؤكداً أن المجلس الوطني للمقاومة ووحدات المقاومة يمتلكون رؤية وتنظيماً يسمحان ببناء إيران ديمقراطية غير نووية، وداعياً إلى الاعتراف بالحكومة المؤقتة.
ما يخرج به المتابع من هذا المؤتمر ليس فقط دعماً سياسياً لمشروع معارض، بل محاولة لصياغة “منطق انتقال” يواجه أسئلة اليوم التالي: من يحكم؟ كيف تُنقل السيادة؟ وكيف تُغلق أبواب الفوضى والاستبداد الجديد؟ وبينما تختلف زوايا النظر الدولية، ظل خيط واحد جامعاً بين معظم المتحدثين: لا حل يُفرض من الخارج، ولا بديل حقيقياً بلا شرعية شعبية وبلا برنامج قابل للتطبيق. وفي لحظة تعصف فيها المنطقة بالتصعيد، يصبح السؤال الإيراني جزءاً من سؤال أوسع: هل تتجه إيران إلى جمهورية ديمقراطية تفتح باب الاستقرار، أم إلى إعادة تدوير الاستبداد بصيغ جديدة؟ الإجابة، كما أكد المؤتمر مراراً، ستكتبها إرادة الإيرانيين على الأرض.
* كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني