م. أحمد زيبار
تبدو بعض القرارات الإدارية، في ظاهرها، إجراءات تنظيمية اعتيادية، غير أنها في سياق المجتمعات المتنوعة تكتسب أبعاداً أعمق تتصل بمسائل التمثيل والعدالة واحترام الخصوصيات المحلية. فالتعيينات الإدارية في المناطق ذات الحساسية السياسية والاجتماعية لا يمكن التعامل معها بوصفها شأناً إجرائياً بحتاً، بل ينبغي النظر إليها كمؤشر على طبيعة المقاربة المعتمدة في إدارة التنوع ضمن الإطار الوطني العام.
في هذا السياق، ومع بدء تعيين مدير لمنطقة كوباني من قبل محافظة حلب، وما أعقب ذلك من ردود فعل شعبية وسياسية رافضة لتعيين شخص من خارج أبناء المنطقة، عاد السؤال ليُطرح من جديد بخصوص جياي كورمنج – عفرين: هل ما تزال عفرين حاضرة ضمن أولويات القوى السياسية الكردية؟ أم أن حضورها بات يقتصر على عناوين محددة، في مقدمتها ملف عودة المهجّرين، فيما تغيب القضايا المرتبطة بالإدارة والتمثيل والخصوصية المجتمعية عن دائرة الاهتمام الكافي؟
إن الإشكالية هنا لا تتعلق بشخص بعينه، ولا بموقف من مؤهلاته، إذ لا تتوافر معطيات للحكم على ذلك. المسألة، في جوهرها، مبدئية وتمسّ مفهوم الإدارة المحلية، ولا سيما في المناطق التي تتميّز بخصوصيات اجتماعية، وثقافية، وسياسية، واضحة. فحق المجتمعات في أن تُدار من قبل أبنائها ليس مطلباً عاطفياً أو تعبيراً عن نزعة محلية ضيقة، بل يرتبط باعتبارات عملية تتصل بفهم السياق المجتمعي، وبالقدرة على إدارة التوازنات الدقيقة داخله.
وقد أكد رئيس الجمهورية – للمرحلة الانتقالية – أحمد الشرع، في أكثر من مناسبة، ضرورة مراعاة خصوصية بعض المناطق، وهو توجه يُفترض أن يجد ترجمته في السياسات العملية، بما يعزز الثقة بين الدولة والمجتمع المحلي، ويكرّس معادلة متوازنة بين وحدة الدولة واحترام تنوعها.
غير أن ما يلفت الانتباه في حالة عفرين هو غياب موقف واضح من القوى السياسية الكردية، سواء المجلس الوطني الكردي، أو الأحزاب التي كانت منضوية ضمن الإدارة الذاتية، أو حتى الشخصيات والقوى من خارج هذين الإطارين. هذا الصمت يثير تساؤلات موضوعية: هل تُعدّ عفرين خارج الحسابات السياسية الراهنة؟ أم أن إدارة المنطقة تُعتبر مسألة ثانوية لا تستدعي نقاشاً علنياً؟ وأليس من صميم العمل السياسي مخاطبة القيادة السورية والمطالبة بالالتزام المعلن باحترام خصوصية المناطق وإرادة أبنائها؟
في المقابل، أظهرت تجربة كوباني أن المبادرة المجتمعية قادرة على تحريك الفاعلين السياسيين ودفعهم إلى تبنّي مواقف أكثر وضوحاً. وهو ما يؤكد أن الدفاع عن حقوق أي منطقة يبدأ من مجتمعها المحلي، وأن الضغط السلمي المنظم يمكن أن يسهم في إعادة ترتيب الأولويات السياسية.
أما في عفرين، فتبدو الحاجة أكثر من أي وقتٍ مضى إلى مراجعة داخلية هادئة ومسؤولة. فالتهميش المتكرر في أكثر من محطة لم يقابله حتى الآن فعلٌ جماعي منظم يوازي حجم التحديات التي تواجه المنطقة، وكأن ردود الأفعال بقيت دون مستوى اللحظة التاريخية التي تمر بها.
إن العقلانية السياسية المنشودة لا تعني القطيعة مع المحيط القومي، ولا الانكفاء إلى خطابٍ محليٍّ مغلق، بل تعني بلورة رؤية متوازنة تنطلق من مصلحة منطقة جياي كورمنج – عفرين ضمن إطار وطني جامع، يحقق معادلة الخصوصية والانتماء في آنٍ معاً. فتعزيز الحضور المحلي لا يتناقض مع الانتماء الوطني، بل يستمد شرعيته منه ويتقوّى به.
وإذا كنا نتعثر عند اختيار مديرٍ للمنطقة من أبنائها، فكيف لنا أن نرتقي إلى مشاريع أكبر وأكثر طموحاً؟ لقد راودني دوماً أن على القوى المحلية أن تطالب الجهات المعنية، وأن تطرح بثقة واستحقاق فكرة جعل عفرين محافظةً سوريةً كاملة الصلاحيات، بما يعكس وزنها التاريخي والاجتماعي والسياسي، ويضمن تمثيلاً إدارياً أكثر عدالة واستقراراً.
وإذا كان الموقف اليوم يتسم بالمراقبة إزاء مسألة تعيين إداري- مدير للمنطقة، فالسؤال الأوسع يتعلق بكيفية التعاطي مع الملفات الأكثر حساسية، كالمراسيم الناظمة للإدارة المحلية، والعمل على تثبيت الحقوق في الدستور السوري، ولا سيما ما يرتبط باللغة الكردية وضمان حضورها المؤسسي بما يتناسب مع الواقع الديمغرافي والثقافي للمنطقة. فهذه القضايا لا تُدار بردود أفعال آنية، بل تحتاج إلى عمل سياسي وقانوني منظم، يقوم على وضوح الرؤية وتحمّل المسؤولية.
إن الدفاع عن الحقوق ضمن إطار الدولة لا يتعارض مع أداء الواجبات، بل يعزّز منطق الشراكة الوطنية. والعمل من أجل المصالح المحلية المشروعة ليس انعزالاً، بل هو مدخل طبيعي للإسهام في صياغة معادلة وطنية أكثر توازناً وعدالة. فالمناطق التي تعبّر عن مطالبها بوعي وتنظيم تكون أقدر على تثبيت حضورها في المشهد العام.
وعليه، فإن عفرين ليست هامشاً في المعادلة الوطنية، ولا تفصيلاً عابراً في المشهد السياسي؛ إنها منطقة ذات خصوصية تاريخية، وثقافية، واجتماعية، واضحة. وصون مكانتها يتطلب خطاباً عقلانياً ومسؤولاً، يوازن بين الانتماء الوطني والخصوصية المحلية، ويحوّل اللحظة الراهنة إلى فرصة لإعادة تثبيت موقعها ضمن رؤية سياسية أكثر شمولاً واتزاناً.
ألمانيا- بريمن
05.03.2026