حلم وحدة الأحزاب الكوردية هل يتحقق ؟

خالد بهلوي

 

تُعدّ مسألة وحدة الأحزاب الكوردية في سوريا من أبرز القضايا التي تشغل الرأي العام الكوردي منذ ظهور أول انشقاق حزبي. فمنذ ذلك الحين برزت الحاجة إلى موقف كوردي موحّد يحمي الحقوق القومية ويعزز الحضور الكوردي في مستقبل البلاد، ولا سيما بعد أحداث عام 2011 وما تلاها.

ويُعدّ هذا مطلبًا مشروعًا يرفعه معظم أبناء الشعب الكوردي، سواء كانوا ضمن الأطر الحزبية أم من عامة المواطنين. ومع ذلك، ظلّ الحديث عن الوحدة حاضرًا في الخطاب النظري والبيانات والمؤتمرات، دون أن يُترجم إلى خطوات عملية ملموسة. فغالبًا ما بقيت الوعود حبيسة القاعات، ينتظرها الشارع الكوردي عسى ولعل  تتحول يومًا إلى واقع.

لقد ناضلت شخصيات وقيادات مخلصة لسنوات طويلة من أجل تحقيق تقارب حقيقي بين الأحزاب، لكن كثيرًا منهم رحلوا قبل أن يروا تقدمًا فعليًا نحو هذا الهدف.

يستمد حزب PYD جانبًا مهمًا من شرعيته من سيطرته الميدانية ومن مؤسسات الإدارة الذاتية، إضافة إلى امتلاكه موارد اقتصادية وقوة تنظيمية، ودعمٍ قادم من قنديل. ويشكّل حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) وحلفاؤه العمود الفقري للإدارة الذاتية، وهو متأثر بأيديولوجية حزب العمال الكردستاني (PKK)، كما ينفرد بقيادة المنطقة حتى الآن، ولا يُظهر استعدادًا كافيًا لمشاركة القرار مع قوى أخرى.

في المقابل، يضم المجلس الوطني الكردي (ENKS) عددًا من الأحزاب الكردية السورية، ويحظى بدعم من إقليم كردستان العراق، ويستند بدرجة أكبر إلى الشرعية السياسية التقليدية والتمثيل الحزبي التاريخي. ونتيجة لذلك يرى كل طرف نفسه «الممثل الأجدر»، ما يجعل أي تنازل متبادل مكلفًا وصعبًا.

فالوحدة ليست مهمة سهلة، خاصة بعد سنوات من التنافس والاتهامات المتبادلة التي خلّفت ذاكرة سلبية متراكمة في وعي ونفسية القواعد الحزبية على مختلف المستويات.

وفي سياق إقليمي لافت، انضم حزب كوملة، منظمة كادحي كوردستان في إيران، إلى تحالف القوى والأحزاب السياسية في روج هلات، في خطوة تعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية العمل المشترك ضد المخاطر المحدقة وتكالب القوى المعادية لحقوق الشعوب الكوردية .

ورغم حالة الجمود، وبرعاية جهود مخلصة من شخصيات وطنية من مختلف الأطراف، وبعد سلسلة من الحوارات واللقاءات بدعم من ممثل السروك البارزاني، عُقد مؤتمر «وحدة الصف والموقف الكوردي» في روج آفا كوردستان بتاريخ 26 نيسان 2026. وقد أفضى المؤتمر إلى تشكيل وفد مشترك للتفاوض مع دمشق، بهدف طرح حلول عادلة وشاملة للقضية القومية ضمن إطار سوريا موحّدة بهويتها المتعددة القوميات والأديان والثقافات، والسعي إلى تضمين ذلك في دستور يضمن الحقوق القومية المشروعة وحقوق بقية المكونات.

كما شُكّلت مؤخرًا قيادة مشتركة بين الحزب الديمقراطي الوطني الكردي في سوريا والبارتي الديمقراطي الكردي، في خطوة تمهيدية نحو مؤتمر توحيدي. ولا شك أن أي خطوة عملية في اتجاه التقارب من شأنها أن تنعش آمال المواطنين وتفتح نافذة نحو مستقبل أفضل.

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن بعض المسؤولين يعملون على إبعاد الكوادر الفاعلة والمثقفة خشية المنافسة على المواقع القيادية، وهو ما يُبقي الأحزاب في حالة ضعف بنيوي.

كما أن السباق على المناصب وغياب الانتخابات الديمقراطية الشفافة أسهما في تكاثر الأحزاب وتراجع ثقة الشارع بالقيادات.

ولا يزال الواقع يعكس تباينات سياسية وتنظيمية عميقة، ما يجعل مشروع الوحدة معقّدًا ويحتاج إلى وقت وإرادة سياسية وظروف مناسبة قد تدفع الأطراف نحو صيغ من التحالف أو الجبهات المشتركة أو المرجعيات الموحدة.

إن التقدم في هذا المسار يمكن أن يبدأ عبر خطوات عملية، من أبرزها: تشكيل مرجعية سياسية مشتركة، وإدارة موحدة للمناطق الكوردية، وتفعيل لجان مشتركة حقيقية لتمثيل الشعب الكوردي في المفاوضات واللقاءات والاتفاقيات المستقبلية، إلى جانب تشجيع اندماج الأحزاب الصغيرة، وتجديد القيادات الحزبية، وتوسيع هامش حرية العمل الحزبي، وتخفيف القيود على النشاطات السياسية، وتوحيد المواقف في الفعاليات والمؤتمرات.

وسيظل مستقبل وحدة الأحزاب الكوردية في سوريا مرهونًا بتوافر الإرادة السياسية الداخلية، ومستوى الضغط الشعبي، وطبيعة التفاهمات الإقليمية والدولية.

فالوحدة ليست خيارًا ترفيًّا، بل هي السبيل الأنقع لضمان موقف كوردي قوي في رسم ملامح سوريا المستقبل وفتح آفاق الأمل أمام الأجيال القادمة. فالقضية الكوردية أكبر من أي حزب، وأسمى من أي منصب. الفرص لا تأت دائما اما حجز مكانه لشعبنا في الخريطة الجديدة قيد التكوين او ……………

 

 

 

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

تحل في الرابع والعشرين من حزيران الذكرى الثانية والخمسون لتطبيق مشروع الحزام العربي العنصري، الذي بدأ نظام البعث بتنفيذه عام 1974 بموجب القرار رقم (521)، استنادا إلى المخطط الشوفيني الذي وضعه محمد طلب هلال عام 1962، والذي استهدف الوجود القومي للشعب الكوردي في كوردستان سوريا، وسعى إلى فرض واقع ديموغرافي جديد يخدم السياسات القومية العنصرية للنظام على حساب الحقوق التاريخية…

في الرابع والعشرين من حزيران من كل عام، يستحضر شعبنا في كردستان سوريا ذكرى تنفيذ أحد أخطر المشاريع القمعية والتمييزية التي تبنّاها النظام البعثي البائد، والمتمثّل بـ”مشروع الحزام العربي” في محافظة الحسكة. فبعد مرور 52 عاماً على انطلاق هذا المشروع الاستيطاني، الذي استهدف تغيير البنية السكانية والديموغرافية للمنطقة الكردية ، عبر إقامة شريط استيطاني بعمق 15 كيلومتراً على طول الحدود…

عبد الرحمن كلو قراءةٌ تحليلية في مفارقةٍ استراتيجية: لماذا يشتدّ الضغطُ على إقليم كوردستان في ذروة ضعف خصومه؟ تَفترض القراءاتُ السياسية التقليدية أن تراجعَ قوّة المحور الإيراني — لا سيّما بعد الحرب الأخيرة، والضغطِ المتصاعد على أذرعه في العراق ولبنان واليمن، وتجفيفِ السيولة المالية لميليشياته — يُفضي تلقائيًّا إلى صعود حلفاء الغرب في المنطقة. ووفقًا لهذه المعادلة، كان المتوقَّع أن…

شادي حاجي في كل موسم حصاد تقريباً، يتكرر المشهد نفسه في محافظة الحسكة: حقول تحترق، ومزارعون يركضون خلف النيران بوسائل بدائية، وخسائر تتراكم في واحدة من أهم المناطق الزراعية في سوريا. الجديد ليس وقوع الحرائق، بل استمرار عجز الجهات المسؤولة عن منعها أو التعامل معها بالسرعة والكفاءة المطلوبتين. ما يحدث لم يعد مجرد حوادث موسمية متفرقة يمكن تبريرها بالظروف الجوية…