صبحي دقوري
الأمة الديمقراطية – أخوة الشعوب – روجافا
ليس أخطر على الفكر السياسي من الكلمات الكبيرة حين تُستعمل بغير ميزانٍ من العقل. فالكلمات التي تُرفع إلى مقام المبادئ، إن لم يكن لها أساس من الواقع والتاريخ، تتحول سريعًا إلى أصنامٍ لفظية يُطاف حولها في الخطابة، ولا تقوم لها قائمة في الحقيقة. ومن هذه الألفاظ التي شاعت في الخطاب السياسي المعاصر ثلاثة مفاهيم تُتداول بكثرة: الأمة الديمقراطية، وأخوة الشعوب، وروجافا.
وهذه المفاهيم، مهما بدا ظاهرها جميلاً في السمع، لا تُقاس بوقعها في الأذن، بل بما تحمله من وضوحٍ في المعنى وقابليةٍ للتحقق في الواقع.
أولًا: وهم «الأمة الديمقراطية»
إن الأمة في معناها التاريخي ليست شعارًا يُرفع، بل كيانٌ يتكون عبر الزمن من لغةٍ مشتركة، وذاكرةٍ تاريخية، وأرضٍ محددة، وإرادةٍ سياسية. هكذا فهمت الأمم نفسها منذ نشأة الدولة الحديثة في أوروبا، وهكذا قامت الدول التي عرفها التاريخ الحديث.
أما القول بـ «الأمة الديمقراطية» فهو تركيب لفظي يبدو في ظاهره جذابًا، ولكنه في حقيقته أقرب إلى التوفيق بين معنيين لا يجتمعان بسهولة. فالأمة مفهوم تاريخي وثقافي، بينما الديمقراطية نظام سياسي لتنظيم السلطة.
وعندما يُدمج المفهومان في عبارة واحدة دون تحديد واضح لمعناهما، يتحول الأمر إلى شعارٍ لغوي أكثر منه مفهومًا سياسيًا. إذ لا تكفي كلمة «الديمقراطية» لكي تخلق أمة، كما لا يكفي لفظ «الأمة» لكي يضمن الديمقراطية.
فالأمم لا تُصنع بالخطابة، بل بالتاريخ والمؤسسات والسيادة.
ثانيًا: غموض «أخوة الشعوب»
أما «أخوة الشعوب» فهي عبارة من تلك العبارات التي يحبها الخطباء لأنها واسعة إلى حدٍ لا يرفضها أحد، وغامضة إلى حدٍ لا تُلزم أحدًا بشيء.
فالناس جميعًا إخوة في المعنى الإنساني العام، ولكن السياسة لا تقوم على العواطف المجردة، بل على المصالح والحقوق والاعتراف المتبادل. والتاريخ يعلمنا أن الشعوب لا تتعايش بالعبارات الجميلة، بل بالأنظمة العادلة التي تحفظ لكل شعبٍ هويته وحقه.
إن القول بأخوة الشعوب دون الاعتراف بحقوقها القومية والثقافية يشبه الدعوة إلى السلام دون الاعتراف بأسباب الحرب. فهو وعدٌ أخلاقي جميل، ولكنه فارغ من المضمون السياسي إن لم يُترجم إلى مؤسسات واضحة.
ثالثًا: لفظ «روجافا» بين الجغرافيا والشعار
أما كلمة «روجافا» فقد أصبحت تُستعمل في الخطاب السياسي استعمالًا واسعًا حتى كادت تتحول إلى لفظٍ عائم لا يحدد معنى دقيقًا.
والألفاظ حين تُستعمل بغير تحديد تفقد قيمتها المعرفية. فإذا كان المقصود كردستان الغربية، فالأجدر أن تُسمّى باسمها الجغرافي الواضح. أما الاكتفاء بلفظٍ فضفاض قد يعني عند هذا طرفًا ما يعني عند ذاك طرفًا آخر، فذلك لا يزيد الفكر وضوحًا بل يزيده غموضًا.
إن الدقة في التسمية ليست مسألة لغوية فحسب، بل مسألة فكرية وسياسية؛ لأن المصطلح حين يكون واضحًا يحدد المجال الذي يدور فيه النقاش، أما حين يكون غامضًا فإنه يسمح لكل طرف أن يفسره كما يشاء.
بين الشعار والحقيقة
ليست المشكلة في النوايا ولا في الأحلام السياسية، فكل فكرة في التاريخ بدأت حلمًا قبل أن تصبح واقعًا. لكن الفرق بين الحلم والفكر أن الحلم يعيش في الخيال، أما الفكر فيخضع لمقياس العقل والتجربة.
ولهذا فإن المفاهيم الثلاثة التي ذكرناها — الأمة الديمقراطية، وأخوة الشعوب، وروجافا — تحتاج قبل أن تتحول إلى برامج سياسية إلى شيء واحد لا غنى عنه: الوضوح.
فالسياسة التي تقوم على الكلمات الغامضة قد تُلهب الحماسة في الخطب، لكنها لا تبني نظامًا مستقرًا في الواقع. والتاريخ لا يحفظ الشعارات، بل يحفظ المؤسسات والأفكار الواضحة.
خاتمة
إن الفكر الجاد لا يخشى النقد، بل يتقوى به. والكلمات التي لا تحتمل السؤال سرعان ما تتحول إلى أصنامٍ فكرية تُعبد في الخطاب وتنهار عند أول امتحان في الواقع.
ولهذا فإن نقد هذه المفاهيم ليس رفضًا للحلم الإنساني بالحرية والعدالة، بل هو محاولة لإخراج الفكر من ضباب الشعارات إلى نور الوضوح.
فالسياسة، في نهاية الأمر، لا تقوم على الكلمات التي تُرضي العاطفة، بل على الأفكار التي تقنع العقل وتبني الواقع.
باريس