بعد اغتيال المرشد: لماذا لا يعني ذلك انهيار النظام الإيراني؟

عدنان بدرالدين

في الصدمات الكبرى، يبدو كل شيء ممكنا، ويصبح القول بالانهيار احتمالا سهل التداول. اغتيال المرشد الاعلى للجمهورية الاسلامية حدث رمزي من العيار الثقيل؛ فهو يضرب رأس النظام في لحظة تصعيد غير مسبوقة. ومع ذلك، فان ضخامة الرمز لا تعني تلقائيا سقوط البنية التي كان يتصدرها.

هذه قراءة آنية متريثة، لا حكما نهائيا على مسار ما يزال مفتوحا. لكنها تنطلق من ملاحظة بسيطة: الانظمة لا تنهار بسبب صدمة رمزية يتيمة، بل عندما تترافق الصدمة مع تصدع داخلي في نخبها الصلبة، ومع ظهور امكانية سياسية بديلة قادرة على ملء الفراغ. وحتى الان، لا يبدو ان هذا التقاطع قد حدث.

الضربات الاميركية–الاسرائيلية، رغم قوتها ودقتها، تبدو محسوبة اكثر مما تبدو كاسرة. فهي موجهة لاضعاف النظام ودفعه الى تقديم تنازلات في الملفات محل النزاع — النووي، الصواريخ، وشبكات النفوذ — لا لاطلاق عملية تفكيك شاملة لدولة مركزية كبيرة في فضاء اقليمي هش.

سقوط دولة بحجم ايران، متعددة القوميات ومعقدة البنية، من دون بديل جاهز، لا يضمن انتقالا مستقرا، بل قد يفتح احتمالات فوضى تتجاوز حدودها الجغرافية. وهذا الاحتمال، بقدر ما يقلق خصوم طهران، يثير ايضا قلق عواصم اقليمية لا ترى في الفراغ خيارا مرغوبا.

في المقابل، جاء الرد الايراني — رغم لغته التصعيدية — محسوبا بعناية. فلم يبق محصورا في الجغرافيا الاولى للمواجهة، بل امتدت الضربات الى اهداف اميركية في الخليج وكردستان العراق، وترافق ذلك مع ارتفاع ملحوظ في نبرة الخطاب في بعض العواصم الخليجية، ولا سيما السعودية، التي ادانت الضربات بشدة ووصفتها بانها «انتهاك صارخ للقانون الدولي»، مؤكدة في الوقت نفسه احتفاظها بحق الرد واتخاذ الاجراءات اللازمة لحماية امنها.

ومع ذلك، فان اتساع نطاق الضربات وارتفاع حدة الخطاب لا يعنيان بالضرورة سقوط السقف الذي يضبط الصراع. فالمشهد حتى الان يوحي بتصعيد يجري التحكم بايقاعه بدقة: استهداف الوجود العسكري لا اسقاط الدول، رفع النبرة السياسية لا اعلان حرب شاملة، وتوسيع الضغط دون تجاوز العتبة التي تجعل الانفلات حتميا. وهنا يكمن الفارق بين حرب تتسع، وحرب تخرج عن السيطرة.

هذا السلوك المؤطر بعناية — ضربة قوية لكن مضبوطة، ورد تصعيدي لكن محسوب — لا يشي بعجز الاطراف عن الذهاب ابعد، بل بادراك مشترك لكلفة الانفلات. فالانزلاق الى حرب اقليمية مفتوحة لن يكون مكلفا لطهران وحدها، بل سيطال استقرار الخليج، وامن الطاقة، والوجود العسكري الاميركي نفسه.

في هذا السياق، تبدو الدعوات العلنية التي اطلقها بعض القادة الاميركيين والاسرائيليين لشعوب ايران كي “تغتنم الفرصة” لاسقاط النظام اقرب الى خدمة غير مقصودة للسلطة في طهران. فمثل هذا الخطاب يمنح النظام اداة دعائية جاهزة لاعادة تعريف اي مطلب سياسي داخلي — حتى لو كان اصلاحيا محدودا — بوصفه تنفيذا لارادة خارجية.

لا يتعلق الامر هنا بنفي حق شعوب ايران في تقرير مصيرها، بل بتوصيف الاثر السياسي الفوري لمثل هذه الدعوات داخل منطق تعبئة يقوم اصلا على ثنائية “الاستكبار” و”الصمود”.

حتى التقارير غير المؤكدة عن تحركات محدودة لبعض الجماعات المسلحة في كردستان ايران على الحدود — والتي نفتها بعض قياداتها او قللت من شانها — لا تبدو كافية لتغيير المعادلة حتى الان. فمثل هذه التحركات، ان صحت، تبقى ضمن اطار الضغط المحيطي، ولا تعكس بالضرورة تصدعا داخل النخبة الامنية–الايديولوجية التي يستند اليها النظام.

النظام الايراني لا يستمد استمراره من عقد تمثيلي تقليدي يمكن ان ينهار بفقدان الشعبية، بل من منظومة امنية–ايديولوجية تضع اولوية السيطرة فوق اولوية الرضا. في مثل هذا البناء، لا يقرأ الاحتجاج بوصفه خسارة سياسية، بل تحديا امنيا يجب احتواؤه وتحييده ان امكن.

ولهذا يمكن ان تتحول لحظة الضعف الحالية الى لحظة اعادة شد القبضة باسم الخطر الخارجي، لا عبر القمع وحده، بل عبر رفع كلفة الاعتراض اخلاقيا: اهذا وقت الخلاف ام وقت المواجهة؟

الغضب داخل ايران حقيقي ومتجذر، لكنه لا يتحول تلقائيا الى مشروع سياسي جامع. شعوب ايران متعددة، باولويات وهواجس مختلفة: مكونات قومية تخشى ان يؤدي سقوط المركز الى اعادة انتاج هيمنة جديدة؛ قوميون فرس يستحضرون الدولة القوية اكثر مما يستحضرون الدولة العادلة؛ “اصلاحيون” لا يريدون قطيعة كاملة مع السياسات الحالية؛ ونخب ليبرالية شبه معزولة، ومعارضة خارجية محدودة التاثير.

هذا التعدد، في غياب حد ادنى مشترك، لا ينتج بديلا واضح المعالم. ومن دون بديل، قد يتحول الضغط الخارجي — مهما بلغ — الى عامل يعيد ترتيب شروط بقاء النظام بدل ان يدفعه الى الانهيار.

حتى الان، لا تظهر مؤشرات علنية على انقسام حاد داخل النخبة الامنية الصلبة. ما دام مركز القرار متماسكا، وما دام الانتقال القيادي يجري بسرعة لتفادي الفراغ، فان احتمال استمرار النظام يبقى قائما، حتى لو ازداد ضعفا سياسيا وعزلة دولية. فالضعف لا يعني الانهيار ما دامت ادوات السيطرة الفاعلة قائمة.

ومع ذلك، فان صمود النظام الحالي لا يعني مشروعيته، كما ان عدم انهياره لا يعني استقراره طويلا. فالضربات التي تضعف القدرة، والعزلة التي تراكم الكلفة، والغضب المتراكم في الداخل، كلها عناصر قد تتقاطع في لحظة مختلفة لاحقا.

السؤال ليس ما اذا كان النظام قويا، بل ما اذا كان خصومه — في الداخل والخارج — قادرين على انتاج بديل منظم ومقنع حين تحين لحظة التحول.

قد يتكرر السيناريو المالوف: اعلان اميركي عن “نجاح العملية” في ارجاع القدرات الايرانية سنوات الى الوراء؛ اعلان ايراني سريع عن خلافة للمرشد وتقديم الحدث بوصفه فشلا لمخطط “امبريالي–صهيوني”؛ دخول وساطات اقليمية؛ وجولة جديدة من المفاوضات التي لا تحسم الازمة بل تعيد ادارتها.

هذه ليست نبوءة، بل توصيف لمسار تكرر اكثر من مرة حين يفضل تغيير سلوك الخصم على تحييده.

يبقى عامل الحسابات الخاطئة قائما. ضربة تتجاوز سقفها المرسوم بدقة، او رد يخرج عن تقديراته المحسوبة، او تصدع مفاجئ داخل بنية السلطة القائمة، قد يدفع الوضع الى مسار مختلف. فادارة الازمة لا تعني ضمان السيطرة عليها الى ما لا نهاية.

لكن حتى اشعار اخر، تبدو المفارقة قائمة: حدث دراماتيكي يهز قمة النظام، من دون ان يهز بنيته بالضرورة.

فسقوط الانظمة الكبرى، ان حدث، لا يكون نتيجة ضربة واحدة، ولا نتيجة غضب شعبي منفلت، بل نتيجة لحظة نادرة يترافق فيها تصدع الداخل مع افق سياسي واضح لبديل ممكن.

وان كانت لحظة التحول ستاتي يوما ما، فلن تفصح عن ذاتها بصخب، بل ستتسلل من حيث يظن الجميع ان المعادلة مستقرة.

الى ان تتشكل تلك اللحظة، ستبقى ادارة الازمة هي العنوان الابرز، لا الحسم.

5 اذار / مارس 2026

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

بروفيسور دكتور سربست نبي: أخطر الخونة وأسوأهم، ليس هو من يخون شعبه أو وطنه، إنما ذاك الذي يعلّم الآخرين ويحاول أن يقنعهم بأن هذه الخيانة هي لأجلهم، لأجل مصالحهم ومستقبلهم…

صبحي دقوري الأمة الديمقراطية – أخوة الشعوب – روجافا ليس أخطر على الفكر السياسي من الكلمات الكبيرة حين تُستعمل بغير ميزانٍ من العقل. فالكلمات التي تُرفع إلى مقام المبادئ، إن لم يكن لها أساس من الواقع والتاريخ، تتحول سريعًا إلى أصنامٍ لفظية يُطاف حولها في الخطابة، ولا تقوم لها قائمة في الحقيقة. ومن هذه الألفاظ التي شاعت في الخطاب السياسي…

المحامي عبدالرحمن محمد المقدمات الخاطئة تؤدي الى نتائج خاطئة. فمنذ بداية الازمة السورية عام 2011 تدخلت جماعة عبر الحدود في شؤون غرب كردستان بناء على طلب النظام الساقط وبالتنسيق معه وتحت اشراف ايراني ووساطة الاتحاد الوطني. وكان لهذا التدخل اهداف سياسية واضحة، من اهمها: 1- مصادرة القرار السياسي والحقوقي للشعب الكردي في غرب كردستان وسوريا.2- فرض واقع معين بالقوة والعنف…

مرفان كلش سيل التصريحات الفجة، التي يتم تصديرها في الفترة الأخيرة على لسان أوجلان، حول ما يسمى بالإندماج الديمقراطي، واخوة الشعوب، والأمة الديمقراطية، ما هي إلا محاولات مدروسة بعناية في أقبية الدولة التركية العميقة، لتمييع قضية الكُرد وكُردستان، وكمين مُحكم يهدف إلى تحويل قضية شعب ووطن، إلى مجرد مسألة مواطنة ملغومة، وجعل الكُرد مرة أخرى وقوداً لغايات الدولة التركية المعاصرة…