عزالدين ملا
في عالم السياسة، تتكرّر ظاهرة ردود الفعل المتباينة على اللقاءات والمحادثات التي تجري بين مختلف الأطراف، خاصة في بيئات تتسم بالتعقيد والتشابك الشديد للمصالح والأجندات. هذه الظاهرة لا تقتصر على حالة أو سياق معين، وإنما تعكس بوضوح طبيعة التحديات التي تواجه صناعة القرار، وتبرز مدى تعقيد العلاقات بين الأطراف، حيث تتداخل المصالح الشخصية والانتماءات السياسية والهوية الجغرافية والأهداف المرجوة، مما يؤدّي إلى تقييمات متباينة وردود فعل متناقضة، سواء أكانت إيجابية أو سلبية، حادة أو متحفظة؟
في الساحة السورية، التي تتسم بصراعات متعددة بين قوى محلية وإقليمية ودولية، تُثار تساؤلات كثيرة حول طبيعة اللقاءات السياسية التي تعقد بين الأطراف المختلفة، سواء أكانت بين وفد قوات سوريا الديمقراطية ومسؤولين في دمشق أو بين المجلس الوطني الكوردي والحكومة السورية. هنا، تظهر ظاهرة التباين بشكل واضح، حيث أن بعض الأطراف تتلقى استجابة إيجابية، وتُعتبر اللقاءات خطوة مهمة نحو التفاهم، بينما تروج أطراف أخرى لخطاب يتسم بالانتقاد أو التشويه، معتبرةً تلك اللقاءات خيانة أو تآمراً، وهو ما يعكس أن هناك معايير مزدوجة تُستخدم في تقييم المواقف، وأن هناك من يُسمح له بالتحرك بحرية، بينما يُقيد الآخر وهو ما يبرز نوعاً من التمييز غير المعلن، ويثير تساؤلات عن أسباب هذا الاختلاف ودلالاته على مستوى التوازنات السياسية.
في الحالة الكوردية السورية، تتجلى هذه الظاهرة بشكل أكثر وضوحاً، حيث أن نضال المجلس الوطني الكوردي من أجل حقوق الكورد المشروعة كان دائماً يعتمد على نهج سياسي، مؤمناً بضرورة التمسُّك بالمطالب الحقوقية والتواصل مع المجتمع الدولي والاعتماد على النضال السلمي، رغم التحديّات والاتهامات التي وُجهت إليه من قبل من لا يؤمنون بهذا النهج، وراحوا يصفونه أحياناً بالخيانة أو العمالة. هذا النضال، الذي انطلق منذ تأسيس أول حزب كوردي عام 1957، ورافق الثورة السورية في إطار المجلس الوطني الكوردي الذي جمع معظم أحزاب الحركة الكوردية، كان يهدف إلى تمثيل الكورد بشكل موحّد والضغط من أجل حقوقهم المشروعة، وهو ما تجلى في عقد مؤتمر 26 نيسان برعاية الرئيس مسعود بارزاني الذي خرج برؤية كوردية مشتركة ووفد موحّد يمثل الكورد في دمشق. إلا أن الواقع على الأرض أظهر أن هناك من استغل ضعف وحدة الصف، وذهب بشكل منفرد إلى دمشق، متجاوزاً الاتفاقات، مما يبرز إشكالية التعامل مع المواقف الكوردية، حيث يُسمح لبعض الأطراف بالتحرُّك بحرية، في حين يُقيد الآخر وهو المجلس الوطني الكوردي، ويُمنع من التحرُّك بشكل مستقل وهو ما يثير تساؤلات حول أسباب التمييز ودلالات هذا الاختلاف في المعاملة، وما يفضي إليه من تقسيم للعمل السياسي وتداخل في النفوذ والتمثيل.
في بداية السنة الثانية بعد سقوط نظام الأسد، التقى وفد من المجلس الوطني الكوردي مع الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني، وأكد خلاله أن الوفد الكوردي المشترك هو الممثل الشرعي للكورد، ومع ذلك، استُخدمت وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل إعلام أخرى لتشويه صورة المجلس واتهامه بالخيانة، في حين أن الطرف الآخر الذي يذهب إلى دمشق بشكل منفرد، لا يُحاسب أو يُنتقد، على الرغم من أن الجميع يدرك أن من يدافع عن حقوق الكورد يختلف عمّن يسعى وراء المكاسب والامتيازات. هذا التبايُن في المعايير يعكس أن هناك مَنْ يملك حقّ التحدُّث باسم الكورد، ويُسمح له بتحرُّكات واسعة بينما يُقصى الآخر، وهو ما يعمّق الانقسامات، ويضعف وحدة الصف الكوردي ويُهدّد فرص التفاهم والتسوية.
هذه الحالة من التباين في المعايير والتعاملات، تُبرز ازدواجية في الممارسات، وتُظهر أن هناك سياسات تُفرض على بعض الأطراف، وتُسمح لأخرى بالتحرك بحرية، وهو ما يعكس طبيعة التوازنات السياسية على الأرض، حيث أن بعض الأطراف يُمنح لها الحق في التفاوض، بينما تُقيد أخرى، مما يعطّل وحدة الصف ويهدّد الموقف السياسي الكلي.
أعتقد أن تكرار ظاهرة ردود الفعل المتباينة على اللقاءات السياسية، وتقييم أي لقاء غالباً ما يُبنى على معايير غير موضوعية، تتداخل فيها المصالح الشخصية والانتماءات السياسية والهوية الجغرافية، وليس على جوهر اللقاء وأهدافه الحقيقية. فالساحة السورية، كما غيرها، تُظهر أن العمل السياسي يتخذ أشكالاً متعددة قد تتشابه في الشكل، ولكن تختلف في المضمون، حيث أن الهدف غالباً هو تحقيق مكاسب فئوية، أو حماية مصالح أو مجرد تموضع إعلامي وليس دائماً خدمة المصلحة الوطنية العليا. فهناك من يراهن على الصورة، ويُروّج لنجاحات زائفة، بينما الواقع على الأرض يُظهر أن الكثير من تلك اللقاءات لم تثمر عن نتائج حاسمة أو لم تؤدِ إلى حلول جذرية.
لذلك، فإن فهم طبيعة هذه اللقاءات يتطلب تحليلاً عميقاً للسياق والأهداف والنتائج، بحيث تتجاوز العوامل السطحية التي غالباً ما تُستخدم لتبرير أو انتقاد اللقاءات بشكل انتقائي. المعيار الحقيقي لنجاح أو فشل اللقاءات ينبغي أن يُبنى على نتائج ملموسة، تظهر مدى التقدم في حل الأزمات وتحقيق الاستقرار وتعزيز الثقة بين الأطراف وتقريب وجهات النظر وليس فقط على الصور أو التصريحات الإعلامية أو الإشاعات، لأن الكثير من اللقاءات تتخذ طابعاً إعلامياً أكثر منه فعلياً، مما يهدّد مصداقيتها ويضعف تأثيرها على الواقع.
في سياق الحاجة لترسيخ مبدأ الشفافية، تبرز أهمية أن تكون اللقاءات أدوات لتحقيق أهداف وطنية، وليس أدوات لتجميل الصورة أو تمرير مصالح آنية وأن تُبنى على الشفافية وأن يُعرف للرأي العام بشكل واضح ما تم التوصل إليه، مع وجود آلية لمتابعة التنفيذ، لضمان أن تكون كل خطوة تهدف إلى تقليل التوترات وتعزيز التفاهم وليس إلى تصعيد الخلافات أو استعراض القوة. إن الشفافية والمصداقية في تقييم النتائج هي الضمانة الأساسية لنجاح أي حوار أو تفاوض لأنها تخلق مناخا من الثقة وتقلل من الشكوك وتُعزز شرعية المواقف.
لذلك، تبقى الحكمة والحيادية في تقييم اللقاءات والابتعاد عن الانتقائية، هو ما يضمن أن تكون أدوات فاعلة في خدمة المصلحة الوطنية وأن تساهم في بناء مستقبل أكثر استقراراً وأماناً، بعيداً عن الحسابات الضيقة والأجندات الخاصة التي غالباً ما تضر بوحدة الصف وتعرقل جهود التفاهم والتسوية. إن النجاح الحقيقي هو أن تكون اللقاءات أدوات لتحقيق استقرار وتعزيز الثقة وتقريب المسافات وليس أدوات للصراع أو التهديد وأن يُبنى تقييمها على معايير واضحة وشفافة، تُحكم على نتائجها على الأرض وليس على الصور أو التصريحات الإعلامية، فالمصلحة الوطنية تتطلب أن نكون أكثر حيادية، وأن نبتعد عن الانتقائية، كي نبني مستقبلاً كوردياً في سوريا أكثر استقراراً وسلاماً.