الكرد بين نارين: إقليم جنوب كردستان واحتمالات التحول إلى منصة صراع مع إيران في ظل غياب الضمانات الدولية الصلبة

شادي حاجي
يشكّل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لحظة إعادة تشكيل للتوازنات الإقليمية في المشرق. وفي قلب هذه المعادلة، يبرز إقليم جنوب كردستان (العراق) بوصفه فضاءً حدودياً شديد الحساسية، تتقاطع فيه حسابات الأمن القومي الإيراني مع المصالح الأميركية وشبكات النفوذ الإقليمي.
غير أن السؤال الجوهري لا يتمثل فقط في ما إذا كان الإقليم قد يتحول إلى منصة صراع محتملة ضد إيران، بل في ما إذا كان يمتلك – هو والقوى الكردية في شرق كردستان (إيران) – غطاءً دولياً صلباً يتيح له تحمّل كلفة الانخراط في معادلة تصعيدية مفتوحة. فالتجربة التاريخية تشير إلى أن الدعم الخارجي للكرد غالباً ما ارتبط بحسابات تكتيكية ظرفية، لا بالتزامات استراتيجية طويلة الأمد. ومن هنا تصبح مسألة “الضمانات الدولية الصلبة” الإطار الحاكم لأي تحليل واقعي.
أولاً: إقليم جنوب كردستان بين الوضع القانوني وحدود الفعل السياسي
يُعد إقليم جنوب كردستان كياناً اتحادياً ضمن الدولة العراقية، يخضع لإطار دستوري يحدد صلاحياته وحدود حركته في السياسة الخارجية والأمنية. وعليه، فإن أي انخراط مباشر في صراع إقليمي ضد إيران – سواء عبر دعم عسكري أو تسهيل لوجستي – لا يمكن فصله عن تبعات قانونية وسياسية داخلية وخارجية.
منذ عام 2003، اعتمدت القيادة السياسية في أربيل سياسة توازن دقيقة قائمة على:
شراكة أمنية مع الولايات المتحدة،
تنسيق مؤسسي مع بغداد،
انفتاح اقتصادي على تركيا،
وقنوات تواصل مستمرة مع إيران.
هذا التعدد في المحاور لم يكن خياراً أيديولوجياً، بل آلية بقاء ضمن بيئة إقليمية معقدة. كسر هذا التوازن عبر الانخراط في محور صدامي صريح قد يعرّض الإقليم لضغوط متعددة المستويات، خصوصاً في ظل سوابق الاستهداف الصاروخي الإيراني لمواقع داخله.
ثانياً: القوى الكردية في شرق كردستان (إيران ) وإشكالية الفعل تحت القبضة المركزية
يُطرح أحياناً احتمال توظيف قوى كردية في إيران كورقة ضغط داخل العمق الإيراني، ومنها الحزب الديمقراطي الكردستاني في إيران . غير أن هذا السيناريو يصطدم بعدة محددات بنيوية:
التشظي الحزبي والانقسامات التنظيمية.
القبضة الأمنية المركزية الفعّالة للدولة الإيرانية.
الطابع الجغرافي الحدودي للحضور المسلح، مقابل محدودية النفوذ في المراكز الحضرية الكبرى.
وعليه، فإن أي دعم خارجي – إن حصل – لا يعني بالضرورة قابلية تحول سريع إلى انتفاضة واسعة، بل قد يؤدي إلى تعزيز المقاربة الأمنية للدولة، ما يرفع كلفة المواجهة على المجتمع المحلي نفسه.
ثالثاً: الجغرافيا وإشكالية التحول إلى منصة لوجستية
يفترض أي سيناريو دعم عسكري فعال وجود ممرات لوجستية آمنة، ما يعيد وضع إقليم جنوب كردستان في موقع حاسم. فالجغرافيا تمنح أربيل قدرة تأثير، لكنها في الوقت ذاته تضعها في دائرة الاستهداف المباشر.
تحول الإقليم إلى منصة انطلاق ضد إيران يعني انتقاله من موقع “الفاعل الوسيط” إلى موقع “الطرف المنخرط”، بما يحمله ذلك من احتمالات ردع مباشر قد يطال بنيته الأمنية والاقتصادية.
ومن منظور نظرية الأمن الإقليمي، تميل الكيانات شبه الدولتية إلى تجنب التحول إلى قواعد صراع مفتوح ما لم تتوافر لها ضمانات حماية طويلة الأمد، وهو شرط يصعب تحققه في بيئة شرق أوسطية متقلبة.
رابعاً: معضلة الاعتماد على الدعم الأميركي
تُظهر التجربة التاريخية أن العلاقة الكردية–الأميركية اتسمت بقدر كبير من البراغماتية المتبادلة. فقد ارتبط الدعم الأميركي غالباً بسياقات مرحلية، لا بتعهدات استراتيجية ملزمة.
تجربة اتفاقية الجزائر عام 1975، وما تلاها من تراجع الدعم، شكّلت مثالاً مبكراً على هشاشة الاعتماد على التوازنات الدولية. كما أظهرت تداعيات استفتاء استقلال إقليم كردستان عام 2017 حدود الاستعداد الدولي لتوفير غطاء سياسي حاسم في لحظات التحول.
في حال توصلت الولايات المتحدة وإيران إلى تفاهمات أوسع مستقبلاً، قد تتراجع مركزية “الورقة الكردية” في الحسابات الأميركية، لتصبح جزءاً من مقايضات إقليمية أشمل.
خامساً: الترابط الإقليمي وتداخل الساحات
لا يمكن فصل هذا الملف عن التطورات في غرب كردستان (سوريا ) ، حيث يؤثر أي إعادة تموضع عسكري أو سياسي في العراق أو سوريا على حسابات الفاعلين الكرد في إيران. هذا الترابط يعكس منطق “الأمن المتداخل”، حيث تنتقل آثار التحولات في ساحة معينة إلى ساحات أخرى بسرعة.
وبالتالي، فإن أي تصعيد إقليمي واسع لن يبقى محصوراً في جغرافيا محددة، بل سيعيد توزيع المخاطر والفرص عبر كامل الفضاء الكردي في المنطقة.
الخاتمة: الضمانات الدولية الصلبة كمحدد نهائي
في ضوء ما سبق، لا يتمثل التحدي المركزي أمام الكرد – في العراق وإيران – في إمكانية لعب دور ضمن معادلة الصراع الإقليمي، بل في طبيعة الغطاء الدولي الذي قد يواكب هذا الدور.
فالتحول من موقع “ورقة ضغط” إلى “رأس حربة” في مواجهة مفتوحة مع دولة مركزية كإيران ينطوي على كلفة استراتيجية عالية، لا يمكن تحمّلها في غياب ضمانات دولية صلبة تتسم بـ:
التزام قانوني ومؤسسي واضح،
غطاء سياسي دولي مستدام،
آلية ردع فعلية تحمي من الانكشاف العسكري،
واستمرارية تتجاوز تغير الإدارات والتحالفات.
غير أن النظام الإقليمي الحالي، القائم على توازنات مرنة وصفقات ظرفية، لا يوفر مؤشرات جدية على استعداد القوى الكبرى لتقديم مثل هذه الضمانات للكرد، سواء في العراق أو في إيران.
وعليه، فإن أي انخراط مباشر في تصعيد إقليمي دون توفر تلك الضمانات قد يعيد إنتاج نمط تاريخي تكررت فصوله مراراً: توظيف اللحظة الكردية ضمن صراعات أكبر، ثم تركها مكشوفة أمام إعادة ترتيب التفاهمات بين الدول.
من هنا، يصبح ضبط الدور، والحفاظ على توازنات البقاء، وتجنب التحول إلى ساحة صراع مفتوحة، خياراً عقلانياً إلى أن تتغير بنية النظام الإقليمي بما يسمح بولادة ضمانات دولية حقيقية لا ظرفية.
إن المسألة، في جوهرها، ليست سؤال القدرة على الفعل، بل سؤال الحماية بعد الفعل.
وإلى مستقبل أكثر استقراراً.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

نارين عمر تتسارع الأحداث في منطقة الشّرق الأوسط وفي عموم العالم منذ الأيّام القليلة الماضية إثر الهجوم الأمريكي- الإسرائيلي على جمهورية إيران أدّت إلى مقتل المرشد الأعلى وعدد من القادة العسكريين الكبار. تحوز هذه الحرب بكلّ تأكيد على اهتمام شعبنا الكردي لأنّ شرقي كردستاننا تقع بشكل مباشر ضمن دائرتها، وطبقاً لذلك سيلعب قادتها وشعبنا هناك دوراً كبيراً في هذه…

نورالدين عمر في الفضاء السياسي، هناك خيط رفيع بين النقد البناء المبني على تحليل المعطيات، وبين التراشق بالاتهامات الذي قد يخدم أجندات تفرق الصف الكردي بدلاً من توحيده. إن انتقاد النهج السياسي لأي حزب هو حق وأداة لتقويم المسار، لكن إلقاء تهم العمالة والتبعية للخارج دون دليل ملموس لا يندرج تحت باب حرية الرأي، بل هو نتاج أحقاد شخصية…

منظمة اوروبا للحزب الديمقراطي الكردستاني-سوريا وبمشاركة عائلة الفقيد، تتشرف بدعوتكم للحضور والمشاركة في مراسم الذكرى السنوية الأولى على رحيل المناضل خالد كمال درويش عضو اللجنة المركزية لحزبنا وذلك على مزاره في مدينة هانوفر، الساعة الثانية من بعد ظهر يوم السبت 7 آذار 2026،على العنوان التالي: Stöckener Str. 6830419 Hannover

عبدالرحمن كلو ​تشهد منطقة الشرق الأوسط حراكاً جيوسياسياً غير مسبوق، تدفعه ارتدادات الحرب المفتوحة والمتصاعدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، والنظام الإيراني وأذرعه الإقليمية من جهة أخرى. تشير القراءات التحليلية لمسار هذه المواجهة إلى احتمالية واقعية لتغيير جذري في شكل نظام الحكم في طهران، وإنهاء حقبة “الإسلام السياسي الشيعي” الحاكم. هذا التحول المرتقب يفتح نافذة تاريخية نادرة لإعادة…