عبدالرحمن كلو
تشهد منطقة الشرق الأوسط حراكاً جيوسياسياً غير مسبوق، تدفعه ارتدادات الحرب المفتوحة والمتصاعدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، والنظام الإيراني وأذرعه الإقليمية من جهة أخرى. تشير القراءات التحليلية لمسار هذه المواجهة إلى احتمالية واقعية لتغيير جذري في شكل نظام الحكم في طهران، وإنهاء حقبة “الإسلام السياسي الشيعي” الحاكم.
هذا التحول المرتقب يفتح نافذة تاريخية نادرة لإعادة صياغة بنية الدولة الإيرانية من جديد، والانتقال بها من مركزية ثيوقراطية استبدادية أقصت المكونات الأصيلة، إلى دولة ديمقراطية تعددية قائمة على أسس فيدرالية أو إحدى أشكال اللامركزية السياسية.
«التحول المرتقب في طهران يفتح نافذة تاريخية نادرة لإعادة صياغة بنية الدولة الإيرانية، والانتقال بها من مركزية ثيوقراطية استبدادية إلى دولة ديمقراطية تعددية قائمة على الشراكة الفيدرالية»
إعادة صياغة الدولة: من المركزية الاستبدادية إلى الشراكة الفيدرالية
في ظل هذه التحولات البنيوية المحتملة، تبرز الحاجة الماسة إلى مقاربة سياسية وقانونية جديدة للداخل الإيراني؛ مقاربة تقطع مع الماضي ولا تنظر إلى الشعوب غير الفارسية — مثل الكورد، والأذريين، والعرب، والبلوش — كـ “أقليات” تُمنح شيئاً من الحقوق الثقافية الهامشية، بل كشعوب أصلية تعيش في أوطانها التاريخية، وشركاء فعليين في صياغة العقد الاجتماعي الجديد وإدارة موارد البلاد.
وهنا، يظهر ويتبلور الدور المحوري للحركة السياسية الكوردية في شرقي كوردستان، والتي يُفترض أن تنتظم ضمن إطار تحالفي وطني كوردستاني واضح المعالم والأهداف، يضع حق تقرير المصير والتأسيس لنظام فيدرالي في صدارة أجندته التفاوضية والسياسية، استناداً إلى المواثيق والعهود الدولية. هذا المطلب ليس حقًا سياسياً وفقط ، بل هو ضرورة مصيرية وجودية، خاصة وأن للكورد في شرقي كوردستان تجربة تاريخية عميقة متمثلة في “جمهورية كوردستان” عام 1946 وعاصمتها مهاباد؛ وهي تجربة تمثل درساً تاريخياً قاسياً يفرض على أطراف الحركة السياسية الكوردية أخذ العبرة والتعلم من خذلان التحالفات الإرتجالية غير المدروسة .
الاستثناء الأخطر: أداة وظيفية بلبوس كوردي
في الوقت الذي تُجمع فيه غالبية القوى الكوردية الديمقراطية في شرقي كوردستان على هذه الرؤية الوطنية والسياسية الشاملة، يبرز استثناء خطير، بل والأخطر على الإطلاق، يهدد بنسف المشروع الكوردي برمته؛ متمثلاً في حزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK)، النسخة الإيرانية لحزب العمال الكردستاني (PKK).
«التحليل الدقيق لبنية حزب (PJAK) يكشف بوضوح أنه لا ينطلق من أجندة وطنية كوردستانية، بل يعمل كأداة وظيفية وامتداد استراتيجي للحرس الثوري الإيراني»
إن التحليل الدقيق لبنية وتوجهات هذا الحزب ومسارات سلوكه على الأرض يكشف بوضوح قاطع أنه لا ينطلق من أجندة وطنية كوردستانية، بل يعمل كأداة وظيفية وامتداد استراتيجي للحرس الثوري الإيراني. فمن خلال قيادات متنفذة ومحاور ارتباط تمتد إلى قمة الهرم الشيعي المسلح في المنطقة، يلعب هذا التنظيم دور المحامي المخلص عن بقاء النظام. وإذا تعذر ذلك، فهو يعمل كـ “حارس لحدود سايكس-بيكو”، كما يعبر عن ذلك صراحة في أكثر من مناسبة، ليبقى حارساً للاستراتيجية المشتركة لتركيا وإيران، متعهداً بذلك من خلال الترويج لـ “فلسفة” أوجلان الاستسلامية التي تفرغ القضية القومية من محتواها الجغرافي والسياسي ويحولها إلى مسألة إندماج مجتمعي مع الترك والفرس والعرب .
شبح التجربة السورية: استنساخ الفشل ومصادرة القرار القومي
وعليه، فإن الخطر الوجودي الحقيقي الذي يواجه الحركة الكوردية في إيران اليوم، يكمن في محاولات (PJAK) المستميتة للتسرب إلى داخل الائتلافات أو التحالفات الوطنية الكوردية الناشئة تحت يافطة براقة ومضللة تستعطف الجماهير هي “وحدة الصف الكوردي”. إن نجاح هذا الاختراق يعني حتمية إعادة إنتاج السيناريو الكارثي والمأساوي الذي شهده غربي كوردستان (كوردستان سوريا).
«إن السماح لتنظيمات تعمل بالوكالة باختراق الصف الوطني تحت شعار “الوحدة”، هو استنساخ للتجربة السورية حيث صودر القرار الكوردي وتحول إلى مقاولات أمنية»
ففي سوريا، وتحت شعارات مشابهة استغلت العاطفة القومية، تمكنت أذرع الـ (PKK) — متمثلة في حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) في البداية ولاحقاً قوات سوريا الديمقراطية (قسد) — من مصادرة واختطاف القرار السياسي الكوردي المستقل. لقد أدى هذا الاختراق إلى تفريغ القضية من محتواها القومي والسياسي كقضية شعب يطالب بحقوقه التاريخية على أرضه، وتحويلها إلى مجرد مقاولات أمنية، ورتب عسكرية، وامتيازات إدارية ووظيفية تعمل في النهاية لصالح إعادة إنتاج النظام السوري في دمشق، وتصطدم مباشرة مع المصالح العليا والتاريخية للشعب الكوردي.
التحالف “العثماني-الصفوي” الجديد وتوظيف الـ (PKK)
لا يمكن قراءة هذا الاختراق الممنهج وتوقيته بمعزل عن المخطط الإقليمي الأوسع. فهناك توافق استراتيجي عميق بين تركيا وإيران — يمكن وصفه مجازاً بـ “التحالف العثماني-الصفوي” الجديد — رغم الصراع الإقليمي المستتر، والعداء التاريخي بجمعهما إستراتيجية مشتركة ضد أي شكل أو صيغة لكيان كوردي متبلور معترف به دستورياً أو دولياً.
وتركيا، التي تتوجس تخشى من انهيار النظام الإيراني واحتمالية قيام دولة ديمقراطية تمنح الكورد حقوقهم الفيدرالية على حدودها، تجد في الـ (PKK) وأذرعه الإقليمية أداتها المفضلة والجاهزة لإجهاض هذا الحلم. لقد استخدمت هذه الدول المتقاسمة لكوردستان هذا التنظيم كأداة وظيفية بامتياز؛ فكما تم استخدامه لتقزيم القضية الكوردية في سوريا، يتم تجهيزه وإعداده اليوم للعبث بالمشهد السياسي في شرقي كوردستان. ولن يكون مفاجئاً في المدى المنظور أن تصدر رسائل أو توجيهات سياسية جديدة من رئيس ال PKK (عبد الله أوجلان)، تُوظف خصيصاً لخدمة هذا المخطط التركي-الإيراني المشترك، فهو ومنذ مدة ليست بقصيرة ومع تفاقم تداعيات تغيير النظام في سوريا تحول بشكل علني إلى ناطق غير رسمي باسم مصالح “الدولة العميقة” في تركيا لصالح الإستراتيجية المشتركة للدول التي تتقاسم كوردستان.
استقلالية القرار والعمق الاستراتيجي
إن المرحلة التاريخية الحساسة الراهنة لا تحتمل الاندفاعات العاطفية أو بناء التحالفات غير المحسوبة استراتيجياً. بل يجب على الحركة السياسية الكوردية في شرقي كوردستان أن تتحلى بأقصى درجات الحذر واليقظة السياسية لتفكيك هذه الألغام. إن السماح لتنظيمات تعمل بالوكالة لصالح طهران وأنقرة باختراق الصف الوطني الكوردي تحت شعار “الوحدة”، هو بمثابة إعادة لسيناريو المشهد السياسي للحالة الكوردية في سوريا، حيث كانت الضريبة دموية مكلفة ومؤلمة جداً على الصعيدين الديمغرافي والسياسي.
«الوحدة الحقيقية تُبنى على استقلالية القرار الوطني الكوردستاني بالتنسيق مع إقليم كوردستان العراق، وليس بالتحالف مع الأدوات الوظيفية التي تُدار من عواصم القمع»
الوحدة الحقيقية والصلبة تُبنى فقط وحصراً على استقلالية القرار الوطني الكوردستاني، وذلك من خلال تعزيز التنسيق والتشاور مع إقليم كوردستان العراق — الذي يمثل عمقاً استراتيجياً وحليفاً موثوقاً للولايات المتحدة الأمريكية والمجتمع الدولي — والولاء المطلق للاستحقاقات التاريخية لحق الشعب الكوردي وقضيته العادلة، وليس بالتحالف الساذج مع الأدوات الوظيفية المشبوهة التي تُدار بالريموت كنترول من أنقرة أو من طهران .