إيران في عين العاصفة

خوشناف سليمان

وفقا لفهم هيغل للتاريخ بوصفه سيرورة تحولات بنيوية متراكمة لا مجرد تسجيل لأحداث منفصلة، يمكن قراءة توازنات القوة باعتبارها نتاج تفاعل مستمر بين الداخل والخارج. فالدول لا تتغير بفعل صدمة طارئة، بل عبر تراكم ضغوط سياسية واقتصادية وأمنية يعيد تدريجيا رسم حدود الاستقرار ويختبر قدرة البنية المؤسسية على التكيف. وتجارب ما بعد الحرب العالمية الثانية — من تقسيم ألمانيا، وإعادة تشكيل اليابان، وتفكك الاتحاد السوفيتي، إلى تجزؤ يوغوسلافيا والسودان — تؤكد أن التحولات الكبرى تمثل ذروة اختلالات ممتدة وليست لحظات مفاجئة. وفي الدول متعددة الهويات، يفضي هذا التراكم إلى إعادة ترتيب داخلي قد يعيد تعريف بنية السلطة أو صيغة الوحدة السياسية.

ضمن هذا الاطار، تبدو ايران حالة واضحة في معادلات الصراع الاقليمي. فهي دولة تقوم على بنية سياسية ايديولوجية ذات طابع مركزي تستند الى مبدأ ولاية الفقيه والمرتكزات القومية الفارسية، وفي الوقت نفسه تضم تركيبة اجتماعية متعددة القوميات والمذاهب. وعلى مدى عقود، بنت شبكة نفوذ اقليمي عبر حلفاء في اكثر من ساحة، ما وفر لها عمقا استراتيجيا وادوات ردع غير مباشرة. غير ان هذا الامتداد ذاته وضعها في مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة واسرائيل، اللتين تنظران الى تقليص نفوذها كجزء من منع تشكل تفوق استراتيجي ايراني.

قبل عامين، انطلقت قراءتي من فرضية مفادها ان تراكم الضغوط واتساع نطاق المواجهة سيقودان الى لحظة اختبار تعيد تشكيل قواعد الاشتباك. واليوم تبدو التطورات الراهنة امتدادا مباشرا لذلك المسار، اذ ان الانتقال من ادوات الضغط الاقتصادي الى استخدام القوة العسكرية يعكس وصول التفاعلات المتراكمة الى مرحلة اختبار عملي لحدود التحمل المتبادل.

فالتطورات العسكرية منذ السبت الماضي لا يمكن قراءتها بمعزل عن هذا السياق؛ فالضربات المباشرة والمركزة التي طالت اهدافا عسكرية ومراكز قرار لا تقتصر على احداث خسائر مادية، بل تهدف الى قياس مستوى التماسك وقدرة النظام على اعادة تنظيم نفسه بسرعة تحت الضغط. ويسعى هذا النمط الى تعديل موازين الردع من دون الانزلاق الى مواجهة شاملة، وان كان في الوقت ذاته يفتح احتمال اتساع الدائرة اذا تزامن مع تصاعد الضغوط الداخلية او تفاقم الازمات الاقتصادية.

مع ذلك، من غير المرجح ان تؤدي هذه الضربات الى انهيار فوري للدولة؛ فايران تمتلك شبكة امنية قادرة على اعادة انتاج السلطة عبر اليات بديلة. غير ان استمرار الضغوط — من عقوبات اقتصادية وعزلة مالية الى ضربات متكررة واحتقان داخلي — قد يفضي الى تآكل تدريجي في مركزية القرار. هنا لا نتحدث عن تفكك مباشر، بل عن اعادة توزيع للقوة داخل النظام نفسه. وفي هذا السياق، ترتكز الاستراتيجية الامريكية والاسرائيلية على استهداف بنية النظام واضعاف مقومات استمراره، بهدف منع ايران من امتلاك قدرة ردع استراتيجية متفوقة.

يبقى البعد القومي عاملا لا يمكن تجاهله، فايران دولة متعددة القوميات واللغات، غير ان ادارتها ظلت شديدة المركزية، وهو ما انعكس بوضوح في مناطق مثل كردستان وبلوشستان. وقد اسهم التفاوت التنموي والحضور الامني المكثف في ترسيخ شعور متصاعد بالتهميش. ومع تفاقم الازمات الاقتصادية، تداخل البعد الاجتماعي مع البعد القومي، فلم يعد ممكنا الفصل بين مطلب تحسين الظروف المعيشية ومطلب الاعتراف والمشاركة المتكافئة.

في هذا السياق، برز الكرد الايرانيون كاحد ابرز الفاعلين في موجات الاحتجاج. تاريخيا، شكلت المناطق الكردية فضاء نشطا لمعارضة سلطة المركز، وتحملت كلفة قمعية مرتفعة. ومع تصاعد احتمالات عدم الاستقرار، وعلى اثر الهجمات الامريكية والاسرائيلية الاخيرة، اعلنت خمس تنظيمات كردية تشكيل اطار تنسيقي موحد. وتبدو هذه الخطوة اقرب الى استعداد سياسي وتنظيمي لسيناريوهات محتملة — مثل فراغ امني جزئي او تحولات في بنية السلطة — منها الى اعلان مواجهة مفتوحة. ومع ذلك، يظل ميزان القوة العسكري حتى الان راجحا لصالح الدولة، بما تملكه من تفوق عددي وتسليحي وانتشار امني واسع. في المقابل، تستند هذه التنظيمات الى حضور محلي وادوات عمل غير تقليدية، من دون امتلاك مقومات فرض سيطرة مستدامة، لا سيما مع تمركز جزء منها في اقليم كردستان العراق ضمن بيئة سياسية وامنية بالغة الحساسية. تاريخيا، يرتبط الطرح الكردي بمبدأ حق تقرير المصير، غير ان هذا المسار يصطدم في السياق الدولي الراهن بتفضيل الغالبية من الفاعلين الدوليين لصيغ اصلاحية او لامركزية داخل الاطار القائم، على حساب خيارات الانفصال، ما لم يطرأ تحول سياسي جذري يعيد تعريف العلاقة بين المركز والمناطق.

في المحصلة، لا يمكن اختزال المشهد في ازمة اقتصادية عابرة او جولة قتالية عسكرية معزولة. ما يجري هو تراكم ضغوط داخلية يتقاطع مع صراع اقليمي مفتوح، ويعيد تشكيل قواعد التوازن تدريجيا. واعادة الاصطفاف الكردي ليست سبب الازمة، بل مؤشر على ان الاطراف تستعد لمرحلة مختلفة قد تتبدل فيها مراكز القوة داخل الدولة وحولها. ويبقى مستقبل الاستقرار في ايران مرتبطا بقدرتها على اعادة تنظيم علاقتها بمجتمعها على اسس اكثر توازنا. فغياب اصلاح متزامن للابعاد الاقتصادية والسياسية والقومية يعني استمرار حالة الانسداد، مهما تغيرت التحالفات او تبدلت موازين القوة.

في النهاية، لا يحسم مصير الدول بالردع وحده، بل بقدرتها على التكيف. وما نشهده اليوم هو فصل متقدم من صراع طويل يختبر فيه ضبط التصعيد قبل ان يفلت من السيطرة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن كلو ​تشهد منطقة الشرق الأوسط حراكاً جيوسياسياً غير مسبوق، تدفعه ارتدادات الحرب المفتوحة والمتصاعدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، والنظام الإيراني وأذرعه الإقليمية من جهة أخرى. تشير القراءات التحليلية لمسار هذه المواجهة إلى احتمالية واقعية لتغيير جذري في شكل نظام الحكم في طهران، وإنهاء حقبة “الإسلام السياسي الشيعي” الحاكم. هذا التحول المرتقب يفتح نافذة تاريخية نادرة لإعادة…

أزاد خليل * ليس خافياً أن الثقة بالأمريكيين وصلت إلى مستويات متدنية، بل إلى حدّ انعدام الثقة لدى قطاعات واسعة من الكورد، خاصة بعد نكبة روج آفا، وقبلها نكسة الاستفتاء في إقليم كوردستان. تراكمُ الخيبات صنع وعياً قاسياً مفاده أن التحالفات في هذه المنطقة لا تُبنى على الأخلاق، بل على المصالح، وأن الصديق في لحظة ما قد يتحول إلى ورقة…

خالد حسو حين يخرج الدعاء من قلبٍ مثقلٍ بالألم في إيران، لا يكون مجرد أمنية عابرة .. بل يتحول إلى صرخة حقٍّ تعلن أن الصمت انتهى وأن الكرامة لا تُقايَض . السيل حين يفيض لا يميّز بين حجرٍ وبشر، لكننا نؤمن بطوفان عدالةٍ مختلفٍ، طوفانٍ حتميّ يجرف الظلم والاستبداد ويُعيد الأرض إلى أهلها، ويمنح الحياة مساحةً أوسع من الخوف والقمع…

عدنان بدرالدين في عموده الأخير بصحيفة “نيويورك تايمز”، يقدم توماس فريدمان قراءة متفائلة – وإن بدت حذرة – للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، معتبرًا أن إضعاف النظام القائم قد يفتح الباب أمام شرق أوسط أكثر عدلاً وشمولية، إذا ما تمكن “الشعب الإيراني” من تقرير مصيره. ويرى أن الضربات العسكرية، رغم كلفتها وتعقيداتها، قد تفضي إلى نسخة أقل تهديدًا من الجمهورية…