عدنان بدرالدين
في عموده الأخير بصحيفة “نيويورك تايمز”، يقدم توماس فريدمان قراءة متفائلة – وإن بدت حذرة – للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، معتبرًا أن إضعاف النظام القائم قد يفتح الباب أمام شرق أوسط أكثر عدلاً وشمولية، إذا ما تمكن “الشعب الإيراني” من تقرير مصيره. ويرى أن الضربات العسكرية، رغم كلفتها وتعقيداتها، قد تفضي إلى نسخة أقل تهديدًا من الجمهورية الإسلامية، أو حتى إلى انتفاضة شعبية تقود إلى تحول جذري في بنية الحكم.
هذا الطرح، رغم احتوائه على عناصر تحمل قدرًا من الواقعية – كالإقرار بصعوبة إسقاط النظام عبر القصف الجوي وحده، أو تأثير أسعار الطاقة في تحديد أمد الصراع – يعكس نمطًا متكررًا في بعض التحليلات الغربية يفترض أن الضغط العسكري الخارجي يمكن أن يسرّع انتقالًا ديمقراطيًا داخليًا. غير أن تجارب المنطقة خلال العقدين الأخيرين أظهرت أن إسقاط الأنظمة لا ينتج بالضرورة أنظمة أكثر استقرارًا أو أكثر تمثيلًا، وأن الدولة ليست مجرد رأس سياسي يمكن استبداله، بل شبكة معقدة من مؤسسات وأجهزة وثقافات سياسية تراكمت عبر عقود.
المشكلة الأعمق في هذا التفاؤل أنه يتعامل مع النظام الإيراني كما لو كان سلطة استبدادية قابلة لإصلاح، بينما هو في جوهره نظام مؤسس عقائديًا على ولاية الفقيه المطلقة، حيث تُختزل السيادة الشعبية في إطار شكلي، ويُمنح المرشد الأعلى سلطة ممتدة عمليًا بلا أفق زمني واضح. هذا البناء لا يجعل السلطة مجرد أداة حكم، بل يضفي عليها بعدًا دينيًا يحدّ من إمكان إصلاحها من الداخل دون مساس بجوهرها. ومن هنا تبدو فكرة ظهور “جمهورية إسلامية معتدلة” أقرب إلى أمنية سياسية منها إلى احتمال مؤسسي قابل للتحقق، ما دام تصدير الثورة والبحث عن عدو خارجي عنصرين متجذرين في تعريف النظام لذاته.
وإذا كان هذا هو جوهر النظام، فإن تصوير المجتمع المقابل له لا يقل تبسيطًا. فريدمان يتحدث عن “الشعب الإيراني” بوصفه الكتلة الأكثر ميلاً طبيعيًا إلى الغرب في المنطقة، وكأننا أمام كيان متجانس ينتظر لحظة الخلاص. غير أن إيران دولة متعددة القوميات والثقافات، من فرس وأذريين وكرد وعرب وبلوش وغيرهم، وقد تبنّت الدولة، في عهود مختلفة، سياسات مركزية ذات طابع أمني وهوياتي هدفت إلى صهر هذا التنوع في إطار قومي–ديني واحد، وهو ما أفضى إلى أنماط مستمرة من الإقصاء والتضييق الثقافي والأمني بحق بعض هذه المكوّنات. كما أن الرفض الواسع للنظام، الذي تجلّى بوضوح في موجات الاحتجاج منذ 2009، وتعمّق في انتفاضتي 2017 و2022، هو رفض للاستبداد والفساد وتردي الأوضاع المعيشية، لا تعبيرًا مكتملًا عن التزام جمعي بنموذج ليبرالي محدد.
الانفتاح على القيم الليبرالية في السياق الإيراني مفهوم بوصفه رد فعل على واقع مغلق، لكنه لم يُختبر بعد في شروط مؤسسية مستقرة. فالليبرالية ليست شعار حرية فحسب، بل منظومة حياة معقدة تشمل حرية العقيدة الكاملة، وحقوق المكوّنات المختلفة في التعبير عن ذاتها، واقتصادًا مفتوحًا تحكمه قواعد شفافة، وثقافة ديمقراطية قادرة على إدارة الخلاف وتحمل الأزمات. والانتقال إلى مثل هذه المنظومة لا يتم تلقائيًا بمجرد إضعاف السلطة القائمة، بل يتطلب تحولات اجتماعية وسياسية عميقة تتجاوز لحظة الصدمة.
خطاب “الحضارة العظيمة المحجوبة” الذي يتردد أحيانًا في سياق الحديث عن إيران يلامس وترًا عاطفيًا مفهومًا، لكنه يختزل تاريخًا معقدًا في صورة شاعرية مبسطة. فالتاريخ الإيراني الحديث، بما فيه من ثورة دستورية وتجارب إصلاحية وصراعات داخلية، لا يدعم فكرة حضارة نائمة تنتظر إشارة خارجية لتستيقظ، بل يكشف مسارًا متعرجًا من الصراع بين الدولة والمجتمع، وبين المركز والأطراف، وبين الدين والسياسة.
التغيير في إيران، إن حدث، لن يكون نتيجة مباشرة لضربة عسكرية ولا ثمرة حنين غربي إلى صورة مثالية عن مجتمع متعطش للقيم الليبرالية، بل حصيلة تحولات داخلية تعيد تعريف علاقة السلطة بالمجتمع وبمكوّناته المتعددة. وأي رهان على أن الصدمة الخارجية وحدها قادرة على إنتاج اعتدال سياسي أو نظام أكثر تمثيلًا قد يبدو متفائلًا، لكنه يظل أقرب إلى الرغبة منه إلى قراءة واقعية لتعقيدات دولة بحجم إيران.
3 آذار/ مارس 2026
…