ماهين شيخاني
منذ تصاعد الضربات الامريكية والتوترات الإقليمية حول إيران، عاد سؤال قديم إلى الواجهة:
هل يمكن أن تتكرر تجربة جمهورية مهاباد بصيغة جديدة؟
السؤال ليس عاطفياً بقدر ما هو جيوسياسي. فالتاريخ لا يعيد نفسه حرفياً، لكنه يخلق أحياناً ظروفاً متشابهة تستدعي المقارنة.
أولاً: مقارنة تاريخية – ما بين 1946 واليوم
عام 1946، نشأت جمهورية مهاباد في سياق استثنائي:
وجود عسكري سوفييتي في شمال غرب إيران بعد الحرب العالمية الثانية.
صراع نفوذ بين موسكو وواشنطن.
هشاشة الدولة الإيرانية في تلك اللحظة.
اعتماد الجمهورية الوليدة على دعم خارجي مباشر.
استمرت التجربة 11 شهراً فقط، وسقطت عندما غيّر الاتحاد السوفييتي أولوياته وانسحب مقابل تفاهمات مع طهران.
اليوم، لا يوجد احتلال عسكري أجنبي للأراضي الكوردية في إيران، لكن هناك عناصر تشابه بنيوية:
صراع دولي متصاعد حول النفوذ الإيراني.
ضغوط داخلية غير مسبوقة على النظام.
حديث متزايد عن سيناريوهات انهيار أو تحوّل عميق.
تقارب وتنسيق أكبر بين الأحزاب الكوردية الإيرانية.
غير أن الفارق الجوهري هو أن ميزان القوى الدولي اليوم أكثر تعقيداً، ولا توجد قوة عظمى مستعدة – حتى الآن – لتقديم دعم مباشر وصريح لمشروع انفصالي.
السيناريوهات المحتملة
1. قيام كيان كوردي مستقل في حال انهيار شامل
هذا السيناريو يتطلب شروطاً استثنائية:
انهيار مركزي كامل للدولة الإيرانية.
توافق أو تغاضٍ دولي واضح.
وحدة سياسية وعسكرية كوردية حقيقية.
قدرة على تأمين الإقليم اقتصادياً وأمنياً.
لكن معوقاته كبيرة:
رفض إقليمي حاد، خصوصاً من تركيا وإيران.
حساسية دولية تجاه أي تغيير في الحدود.
غياب ضمانات طويلة الأمد من القوى الكبرى.
2. حكم ذاتي موسع ضمن إيران لا مركزية
هذا السيناريو يبدو أكثر واقعية في حال حدوث تحول سياسي داخلي:
اعتراف دستوري بالهوية الكوردية.
إدارة محلية منتخبة.
مشاركة فعلية في مؤسسات الحكم المركزي.
توزيع عادل للموارد.
هذا الخيار لا يصطدم مباشرة بالبنية الإقليمية، وقد يحظى بقبول دولي أكبر.
3. تغيير شكلي داخل النظام
سقوط رأس السلطة مع بقاء بنية الدولة المركزية كما هي.
في هذا السيناريو قد تتحقق إصلاحات محدودة، دون تحول جذري في موقع القوميات غير الفارسية.
ما الذي يجعل اللحظة الحالية مختلفة؟
وجود إقليم كردستان
للمرة الأولى في التاريخ الحديث، هناك كيان كوردي قائم يتمتع باعتراف دستوري داخل العراق، ما يوفر عمقاً سياسياً واقتصادياً للكورد في المنطقة.
نضج التجربة السياسية الكوردية
مقارنة بعام 1946، هناك خبرات سياسية وعسكرية وتنظيمية أكبر، وشبكات علاقات إقليمية ودولية أكثر اتساعاً.
تعقيد النظام الدولي
العالم اليوم أقل استعداداً لتغييرات حدودية، وأكثر ميلاً للحلول اللامركزية داخل الدول القائمة.
التحديات الكبرى
الموقف التركي: أنقرة ترفض قيام أي كيان كوردي مستقل قرب حدودها، وتمتلك أدوات ضغط سياسية وعسكرية مؤثرة.
وحدة الصف الكوردي: التحالفات الحالية خطوة مهمة، لكن تحويلها إلى برنامج موحد ورؤية استراتيجية شرط أساسي.
الضمانات الدولية: تجربة 1946 تُظهر أن الدعم المؤقت لا يكفي لبناء كيان مستدام.
قراءة ختامية
هل نحن أمام “لحظة مهاباد” جديدة؟
الجواب ليس نعم أو لا.
نحن أمام لحظة سيولة تاريخية، تفتح احتمالات متعددة، لكنها لا تمنح ضمانات.
إن تكررت التجربة، فلن تنجح بالشعارات وحدها، بل عبر:
رؤية دستورية واضحة،
اقتصاد قابل للحياة،
علاقات دولية متوازنة،
ووحدة داخلية حقيقية.
مهاباد سقطت لأنها كانت مشروعاً في ظل ميزان قوى خارجي متقلب.
أي مشروع مستقبلي لن يُكتب له البقاء إلا إذا استند إلى شرعية شعبية عميقة، وحسابات دقيقة لمعادلات الإقليم والعالم.
التاريخ لا يمنح الفرص كثيراً،
لكن حين يمنحها، لا يكفي الحلم… بل يجب أن يكون الحلم مدروساً.