م. أحمد زيبار
ما يجري اليوم في إيران لا يمكن قراءته بوصفه حدثاً داخلياً معزولاً، بل يبدو حلقة في سلسلة تحولات متراكمة، وبدايةً لمرحلة قد تمتد ارتداداتها إلى جغرافيات أخرى في المنطقة. يتعزز الانطباع بأن الخرائط التي رُسمت قبل أكثر من قرن، وفي مقدمتها اتفاقية سايكس بيكو، لم تعد تعكس توازنات القوى الفعلية، وأن المنطقة تقف على أعتاب إعادة تشكيل عميقة، لا تقتصر على السياسة، بل تشمل الأمن والاقتصاد وبنية التحالفات.
في هذا السياق المتحرك، تغدو جغرافية كردستان، بأجزائها المختلفة، جزءاً أصيلاً من مشهد التحولات. فعلى مدى قرن كامل، اعتمدت الدول التي تقاسمت كردستان سياسات ممنهجة لإضعاف الحراك الكردي: من تفكيك البنية الاجتماعية والسياسية، إلى تأجيج الانقسامات الداخلية، إلى بثّ سرديات تُحبط الطموح القومي وتُشيع أن فكرة الدولة الكردية ضربٌ من الخيال السياسي. ومع مرور الزمن، تسربت هذه السرديات إلى بعض الأوساط، حتى بات التشكيك في الحق التاريخي والسياسي للشعب الكردي أمراً مألوفاً في خطاب بعض النخب.
ومع ذلك، فإن الشعب الكردي يُعدّ من أكبر الشعوب في المنطقة من حيث العدد، ويعيش على أرضه التاريخية، لكنه ما يزال محروماً من إطار سيادي جامع يمكّنه من التعبير عن إرادته السياسية الكاملة. هذه المفارقة بين الحضور الديمغرافي والغياب السيادي تضع المسألة الكردية في قلب أي إعادة نظر في خرائط النفوذ والسلطة في الشرق الأوسط.
في شرقنا المتوسط، تبرز إسرائيل بوصفها قوة إقليمية صاعدة تسعى إلى ترسيخ نفوذها ضمن معادلات جديدة، مستندة إلى تحالفات راسخة، في مقدمتها الولايات المتحدة. وفي ظل هذا التشابك المعقد للمصالح، تتقاطع مشاريع القوى الإقليمية والدولية على أرض المنطقة، ما يفتح المجال أمام إعادة تموضع فاعلين محليين، ومنهم الكرد، ضمن خرائط التحالفات الناشئة.
غير أن التحدي لا يكمن فقط في قراءة المتغيرات الخارجية، بل في التحرر من القيود الذهنية التي كرستها الأنظمة القومية الشمولية. فقد صاغت تلك الأنظمة مفهوماً أحادياً للوطنية، قائماً على الطاعة والانصهار القسري، واعتبرت أي انفتاح على علاقات خارج هذا الإطار خروجاً على «الثوابت». وبهذا جرى تصوير الشعوب غير المهيمنة، ومن بينها الشعب الكردي، بوصفها أطرافاً هامشية في أوطانها، لا دور لها سوى الامتثال. كما غذّى الخطاب التعبوي، الديني والسياسي، ازدواجية المعايير؛ فبعض التحالفات تُبرَّر حين تخدم السلطة، وتُدان حين تطرحها قوى أخرى.
أمام هذه التحولات البنيوية، يفرض سؤال نفسه بإلحاح: هل يليق بالكرد أن يظلوا متفرجين على إعادة صياغة المنطقة؟ أم أن اللحظة التاريخية تقتضي انتقالاً من ردّ الفعل إلى الفعل، ومن التشتت إلى بناء رؤية مشتركة؟ إن توحيد الصف الكردي، وتغليب المصلحة القومية العليا على الحسابات الحزبية والفئوية، لم يعد خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية وجود مرجعية سياسية قادرة على إدارة مرحلة حساسة ومعقدة، وهنا أشير إلى الشخصية القيادية الرئيس مسعود البارزاني باعتبارها من أبرز رموز التجربة السياسية الكردية المعاصرة ووريث الأب الروحي للشعب الكردي- الخالد مصطفى ملا البارزاني. غير أن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يُختزل في الأشخاص فقط، بل في القدرة على بناء مؤسسة سياسية جامعة، ورؤية استراتيجية تستند إلى قراءة واقعية لموازين القوى، وتُحسن توظيف الفرص دون الوقوع في الارتهان.
إن ما قد يشهده الشرق الأوسط لا يقتصر على إعادة ترسيم حدود، بل قد يصل إلى إعادة تعريف مفاهيم السيادة، والهوية، وشكل الدولة ذاتها. وفي مثل هذه اللحظات المفصلية، تتحدد مكانة الشعوب بقدر قدرتها على المبادرة والتنظيم ووضوح الرؤية.
من هنا، يصبح التفكير الرصين، المنفتح على الاحتمالات كافة، ضرورة لا ترفاً. المطلوب هو عقل سياسي يتحرر من إرث الخوف والدعاية، ويضع مصلحة الشعب الكردي وحقه في تقرير مصيره في صدارة الأولويات، ضمن مقاربة واقعية تتفاعل مع التحولات ولا تنعزل عنها.
فالتحولات الكبرى لا تنتظر المترددين، والتاريخ لا يمنح موقعاً لمن يكتفي بالمراقبة. ومن لا يصنع موقعه في لحظة التحول، قد يجد نفسه خارج معادلاتها لزمن طويل.
ألمانيا- بريمن
28.02.2026