خالد بهلوي
في سوريا، ينشأ الطفل على ثقافة وعادات وتقاليد تُشجّعه على احترام الكبار وطاعتهم، وتكون العلاقة بين الأهل والأبناء قائمة على السلطة الأبوية ضمن أسرة مترابطة، ويُربّى على القيم الجماعية مثل التعاون والمحبة والانتماء للأسرة والمجتمع.
لكن الأطفال السوريين في أوروبا يواجهون تحديات في التكيّف مع المجتمع الجديد بسبب الفروق الثقافية واللغوية، إضافةً إلى القوانين والأنظمة المختلفة. وهذه التحديات تتطلب صبرًا ومرونة من الوالدين، وتوعية بالقوانين ونقلها إلى الأبناء بأسلوب حضاري. كما أن التحدث باللغة الأم في المنزل، وإشراك الأطفال في الأعياد والتقاليد، يساعدانهم على بناء هوية متوازنة وتعزيز ثقتهم بأنفسهم.
في البلد الأم، تواجه تربية الطفل تحديات، أهمها الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، أما في أوروبا فتتوفر الخدمات المعيشية والتعليمية وحرية التعبير، لكن تظهر تحديات أخرى، مثل ضعف الروابط الأسرية أحيانًا، أو الاعتماد الزائد على المدرسة والأصدقاء بدل الأسرة. ويرتكب بعض الآباء أخطاء تربوية دون قصد، منها ترك الهاتف المحمول في أيدي الأطفال بحجة الانشغال بالأمور الحياتية اليومية، مما يؤدي إلى إهمال وتقاعس في واجبات الوالدين، ويُعوِّضون ذلك بالاعتماد المفرط على الحضانة أو المدرسة بدل التفاعل المباشر.
كما أن وجود خلاف بين الوالدين في أساليب التربية يخلق جوًا من التوتر ويُفقد الأبناء الشعور بالأمان، فيبحثون عن التوجيه خارج المنزل. ومن الأخطاء أيضًا التربية المثالية المبالغ فيها، التي تجعل الطفل مطيعًا طاعةً عمياء، وتمنعه من التعلم من أخطائه، مما يضعف شخصيته وثقته بنفسه، ويؤدي أحيانًا إلى سلوك مزدوج خارج رقابة الأهل. فالصحيح أن يتعلم الطفل التفكير واتخاذ القرار، مع مراقبة وتوجيه واعٍ من الوالدين. كما أن إسقاط الوالدين لتجارب طفولتهما السلبية على الأبناء، ومحاولة جعلهم نسخةً عنهم، يُحمِّل الطفل صراعات لا تخصه.
في أوروبا، تميل التربية إلى تعزيز استقلالية الطفل منذ الصغر، ويُنظر إليه كفرد له رأي وحقوق وواجبات، بينما ما زال الأسلوب التقليدي في سوريا قائمًا على الصرامة، وأحيانًا العقاب، كوسيلة متوارثة للتربية. وتعتمد أوروبا على التربية الإيجابية التي ترفض العنف، وتشجع الحوار وفهم السلوك، مما يتطلب من الأهل معرفة حقوق الطفل قانونيًا وتجنّب أي أسلوب قد يُعد مخالفة.
كما ينبغي دعم الاندماج دون الذوبان، أي الاندماج مع الحفاظ على الهوية، وتشجيع الأبناء على التفوق وبناء صداقات إيجابية، وتعليمهم احترام ثقافة المجتمع المضيف دون شعور بالدونية.
يُعدّ التواصل والحوار داخل الأسرة أمرًا بالغ الأهمية، فالتواصل المفتوح والاستماع لمشكلات الأبناء يبني الثقة ويجعل الطفل يلجأ إلى أهله بدل البحث عن بدائل قد تكون ضارة. وعندما يرى الطفل احترام الأهل للقانون، وحرصهم على العمل والتعليم، وتعاملهم الإيجابي مع المجتمع، يصبح الأبناء مواطنين ناجحين في المجتمعات الأوروبية دون أن يفقدوا هويتهم الشرقية والإنسانية.
إن اختلاف التعليم والثقافات والعادات والتقاليد وأساليب التربية أثّر بشكل كبير في قيم الأسرة السورية، ولكل من النموذجين السوري والأوروبي إيجابيات وسلبيات. فالتربية المتوازنة هي التي تجمع بين دفء الأسرة والانتماء من جهة، والاستقلالية والاحترام من جهة أخرى، بما يحقق تنشئة طفل سليم نفسيًا واجتماعيًا. وتبقى الأسرة السورية الحاضن الأول للغة الأم، والثقافة، والدين، والعادات، والقيم الإيجابية في بيئة مختلفة ثقافيًا، ويقع على عاتق الأسرة نقل القيم الإيجابية مثل الاحترام، والترابط