ردّ على تساؤلات (شكري بكر) حول انطلاقة الحركة الوطنية الكوردية في سوريا

الدكتور احمد رشيد

تنطلق تساؤلات الأستاذ شكري بكر من قراءة تاريخية معروفة لمسار الحركة الكوردية في سوريا، وهي قراءة تُلامس بعض الوقائع، لكنها تتوقف عند حدود تشخيص الماضي أكثر مما تذهب إلى تفكيك مأزق الحاضر. فالمشكلة الكردية اليوم لا تكمن فقط في الانقسامات السابقة أو في تدخلات حزب العمال الكوردستاني بل في عجز البُنى القائمة عن إنتاج مشروع وطني جامع وشرعية تمثيلية حقيقية.

أولًا، إن القول بأن المجلسين القائمين اليوم ما زالا “القوة الفاعلة في الشارع الكردي” يحتاج إلى مراجعة واقعية. فالحضور التنظيمي لا يعني بالضرورة تمثيلًا سياسيًا فعليًا، كما أن سنوات طويلة من الجمود، وتعطيل المؤسسات، وغياب التداول الديمقراطي داخل هذه الأطر، أضعفت ثقة الشارع الكردي بها، وجعلت أي مبادرة جديدة تجد مبررها الموضوعي.

ثانيًا، إن مؤتمر قامشلو وما نتج عنه من رؤى ولجان تفاوض، رغم أهميته النظرية، بقي حبيس البيانات، ولم يتحول إلى مسار تفاوضي جدي أو إلى برنامج سياسي مُلزِم. وبالتالي، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون: لماذا ظهرت حركة جديدة؟ بل: لماذا عجزت الأطر القائمة عن تحويل إنجازاتها المعلنة إلى واقع سياسي ملموس؟

ثالثًا، إن انطلاقة الحركة الوطنية الكوردية، المنبثقة من حراك بزاف ويتصدرها صلاح بدرالدين، لا يمكن اختزالها بأنها “رقم إضافي” أو عامل تعطيل تلقائي. فهي، شئنا أم أبينا، نتاج فراغ سياسي وتراكُم خيبات داخل الحركة الكردية التقليدية، ومحاولة لإعادة طرح سؤال القرار الكردي المستقل، بعيدًا عن هيمنة السلاح أو الوصاية الإقليمية.

رابعًا، إن وضع كل الحركات والأحزاب في “كفة واحدة” ليس بالضرورة تعميقًا للخلاف، بل قد يكون دعوة صريحة لمراجعة جماعية، خاصة إذا كان النقد موجّهًا إلى البُنى والأساليب لا إلى الهوية القومية أو الحقوق الوطنية. فالحركات لا تُدان لأنها جديدة، ولا تُمنح الشرعية لأنها قديمة، بل بمدى قدرتها على تقديم رؤية واضحة، وآليات ديمقراطية، وخطاب جامع.

أخيرًا، المقارنة بين الحركة الوطنية الكوردية الجديدة ودور حزب العمال الكردستاني خلال العقود الماضية تبدو مبالغًا فيها. فالأول نتاج حراك سياسي مدني، بينما الثاني كان مشروعًا عسكريًا ـ أيديولوجيًا عابرًا للحدود، فرض نفسه بالقوة وأدخل الحركة الكردية في صراعات مدمّرة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

محي الدين حاجي تواجه الساحة الفكرية والسياسية الكردية اليوم أزمة وعي حادة تفرضها شريحة متزايدة من الكتّاب والمعلقين هؤلاء يعتمدون على نقل الأخبار السطحية من صفحات الأنترنيت دون تدقيق، للشهرة واكتساب صفة المحلل السياسي. تعتمد تلك الأقلام على وسائل الاعلام التجارية والمحرضة وتزيف الحقائق .وتحول في نظر الشارع إلى حقائق مطلقة، مما يساهم في تزييف الوعي العام وتوجيه الجمهور نحو…

يسرى زبير في زمن التكنولوجيا، يبرز سؤال ملح: هل الذكاء الاصطناعي نعمة أم نقمة؟ في زمنٍ أصبح فيه المثقف مهمشاً، والكاتب مهملاً، والشاعر مستبعداً، والكتب مركونة على الرفوف يكسوها الغبار في الزوايا، يبرز هذا السؤال بإلحاح أكبر. في الوقت الذي كان فيه كثيرون عاجزين عن كتابة سطر واحد، أو بعيدين عن عالم القراءة والكتب، أصبحوا بين ليلة وضحاها يقدمون أنفسهم…

عزالدين ملا الساحة الكوردية السورية تمر اليوم في أكثر مراحلها تعقيداً منذ عقود، ليس فقط بسبب التحولات الكبرى التي عرفتها سوريا بعد سقوط نظام البعث والأسد، بل أيضاً بسبب التصدعات العميقة داخل البيت الكوردي نفسه والانقسام الحاد حول طبيعة المشروع السياسي الكوردي وحدود العلاقة مع السلطة السورية الجديدة وشكل الشراكة الوطنية المطلوبة في المرحلة المقبلة. فالمشهد الذي رافق انتخابات البرلمان…

حسن قاسم في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، تتكشف بين الحين والآخر مواقف وتصريحات تعيد التأكيد على ثوابت السياسة التركية تجاه القضية الكوردية. فالتصريحات المنسوبة إلى رئيس الاستخبارات الإسرائيلية السابق، والتي تحدث فيها عن نجاح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في إقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعدم دعم أي مشروع قد يقود إلى قيام كيان كوردي في إيران، تعكس…